الأرشيف الشهري: فبراير 1997

موقف البنوك التجارية والإسلامية من موضوع الأقراض (5-5)

كان من خلاصة ما عرضته في الحلقة الاولى ان الله سبحانه وتعالى قد تدرج في تحريم الربا الذي استشرى في المجتمع الجاهلي على مدى اثنتي عشرة سنة او اكثر وانه قد مهد للتحريم القطعي بأيات تحض على الانفاق والتصدق وايتاء الزكاة باعتبارها البديل الشرعي للربا وبعد ذلك شرع الله لعباده التداين وافرد لذلك آية هي الاطول بين آيات القران الكريم مع كونها تلت ايات تحريم الربا مباشرة مع ما في ذلك من معان ودلالات.
وفي الحلقة الثانية اشرت الى ان حاجة المجتمع للتداين تزيد كثيرا عما يمكن ان تغطيه مصارف الزكاة والصدقة وأن البنوك التجارية قد قامت باقراض المال اللازم للمجتمع مقابل فوائد مالية تشكل في نظر اصحاب البنوك ضرورة تمليها متطلبات العمل المصرفي ..واشرت الى المرابحة في البنوك الاسلامية باعتبارها البديل لنظام الاقراض في البنوك التجارية مع بيان اختلافهما في الشكل فقط واتفاقهما في الجوهر باعتبار ان المرابحة تمويل لعمليات الشراء وعائدها ليس ربحا بالمعني الاقتصادي للربح.
وفي الحلقة الثالثة بدأت في البحث عن اجابة للتساؤل المطروح عما اذا كانت الفوائد البنكية هي من قبيل الربا المحرم ام لا ؟ وبدات في ذلك بالبحث في المفهوم اللغوي للربا من ايات القران الكريم واحاديث السنة النبوية وتوصلت الى ان الربا في اللغة ليس هو الزيادة فقط كما تقول بذلك معاجم اللغة العربية – وانما هو الضعف.
وفي الحلقة الرابعة ناقشت الجوانب الفقهية للموضوع ولاحظت على وجه الخصوص عدم وجود اجماع بين علماء الامة على تحريم الفوائد وقدمت قائمة طويلة باسماء العلماء القائلين بعدم التحريم وعرضت وجه نظر معاكسة مدعمة بالاسانيد الحجج التي يستند اليها الفقهاء القائلون بعدم التحريم.
وفي هذه الحلقة اعرض وجه النظر الاقتصادية في مسألة الفوائد البنكية وبوجه خاص لاهمية تلك الفوائد والدور الذي تلعبه في استقرار النظام الاقتصادي واسارع إلى التذكير بأننا نتحدث عن موقف البنوك في موضوع الاقراض، وبالتالي فان ما اقوله لا ينطبق على القروض الشخصية التي يتداولها الاشخاص فيما بينهم، فانت عندما تقدم قرضا محدوداً لقريب او صديق فانك لن تطالبه بدفع فوائد مالية وربما سامحته في المبلغ كله اذا كان ضمن ما يتقرر على مالك من زكاة او ما تجود به نفسك من صدقة او صلة رحم واما اذا كان المبلغ كبير نسبيا فانك والحالة هذه تتسامح في الفائدة فقط لنفس السبب وتتمسك بحقك في المبلغ الاصلي واذا زاد المبلغ المطلوب عن ذلك كثيرا فان موافقتك على الاقراض تتحدد وفق معايير كثيرة من بينها امكانياتك الكلية ومدى حاجة المقترض للمال او مدى ثقتك في قدرته على السداد ومدى استعدادك للتخلى له عن المبلغ لفترة زمنية معينة. ويحكمك في ذلك مجموعة كبيرة من الايات التي تتحدث عن ايتاء الزكاة والصدقة وتحض على فعل الخير وصلة الرحم مع التمييز في ذلك والدعوة الى عدم التبذير ما امكن ..انظر في ذلك قوله تعالى وات ذا القربي حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ..ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا : وقوله عز وجل ولا تؤتوا السفهاء اموالكم
والموقف مع البنوك التجارية مختلف تماما فهي لا تستطيع ان تقرض للناس اموالا بدون فوائد مالية ولا بد ان تتقاضى فائدة بمعدلات تزيد عن تلك التي تدفعها للمودعين وذلك حتى تستمر في اداء عملها بدون انقطاع، وكلما ارتفع معدل الفائدة على الودائع ارتفع معدل فائدة الاقراض والعكس صحيح .
ونلاحظ ان ارتفاع معدل الفائدة او انخفاضه يؤثر تأثيرا مباشرا على مستوى النشاط الاقتصادي لاي بلد وذلك على النحو التالي :
– عندما يرتفع المعدل يصبح الافراد والمجمعات اكثر ميلا لزيادة مدخراتهم واقل رغبة في الاستثمار بسبب التكلفة المرتفعة فتحدث حالة من التراجع في النشاط الاقتصادي ويزداد عدد العاطلين عن العمل.
– واذا انخفضت معدلات الفائدة فان الافراد والجماعات يميلون الى زيادة الاستهلاك والاستثمار في الاصول العينية فينتعش الاقتصاد ويزداد عدد العاملين، ولكن استمرار انخفاض معدلات الفائدة لاكثر من ذلك سيؤدي الى زيادة كبيرة في الانفاق فيحدث ارتفاع في الاسعار وتزداد معدلات التضخم .
وعلى ذلك تؤدي البنوك المركزية دورا مهما في الحياة الاقتصادية من خلال تحكمها في معدلات الفائدة بما يسمح بتوجيه النشاط لينمو بوتيرة معتدلة بعيدا عن الوقوع في بؤرة الركود او التحليق في اجواء التضخم .
وعندما كان العالم يعيش في اجواء الكساد الكبير في الثلاثينيات من القرن العشرين، اقترح الاقتصادي البريطاني الشهير كينز في نظريته العامة للتشغيل والنقود ان يتم خفض معدلات الفائدة الى اقل مستوى ممكن بما يسمح بنمو النشاط الاقتصادي، وقد فهم بعض الفقهاء مقولته بشكل خاطئ واستشهدوا بها للدلالة على ان من الافضل وصول معدل الفائدة الى الصفر .. وقد اغفلوا ان الرجل طالب بخفض الفائدة الى هذا المستوى او قريبا منه في ظل ظروف استثنائيه جدا وغير عادية. ومن جهة اخرى نجد ان تغير مستويات معدلات الفائدة يؤثر تأثيرا كبيرا على اسعار صرف العملات وعلى وجهة انتقال رؤوس الاموال من بلد الى آخر والامثلة كثيرة على ذلك ولكنني اكتفي بمثالين الاول من مصر والثاني من قطر.. في مصر استقر سعر صرف الجنية المصري بعد سنوات طويلة من التراجع عند مستوى 3.30 جنية لكل دولار منذ أواخر الثمانينات وقد تحقق ذلك عندما اصبح سعر الفائدة على الجنية المصري اعلى من مثيله على الدولار بنحو 14% في بعض الاوقات بين عامي 1991 – 1992 وقد رافق ذلك الاستقرار توقف عمليات هجرة الاموال من مصر ومن الجنية وحدوث فائض كبير لدى البنوك المصرية من العملات الصعبة. وفي قطر تشير بيانات المصرف المركزي الى انه في السنوات التي كانت تقل فيها فوائد الايداع بالريال عن مثيلاتها بالعملات الاجنبية فإنه كانت تحدث عمليات تحويل كبيرة للرساميل الى الخارج سعيا وراء الفائدة الاعلى مما اضطر المصرف الى القبول بتعديل الفائدة على الريال بما يتناسب مع المعدلات العالمية وهذه الامثلة تبرز بوضوح مدى الاهمية القصوى لاستقرار معدلات الفائدة عند مستويات معينة بما يحافظ على اسعار الصرف وعلى مستوى النشاط الاقتصادي في أي بلد .
ورغم ان البنوك الاسلامية لا تتعامل بالفوائد بشكل مباشر الا انها تأخذ مستوياتها السائدة بعين الاعتبار سواء بالنسبة لفوائد الايداع او عند احتساب هامش الربح في عمليات المرابحة والمساومة.

ولا اذكر على الاطلاق ان البنوك الاسلامية في قطر قد اعطت لمودعيها أرباحاً مالية بنسب اعلى من تلك التي تمنحها البنوك التجارية على الودائع المناظرة للسنة او الشهر او التوفير كما انها كانت حريصة على رفع هامش ربحها في المرابحة كلما رفعت البنوك التجارية معدل فائدة الاقراض.
وهناك جانب اخر لا يمكن اغفاله في موضوع الفوائد البنكية وهو علاقتها بمستويات التضخم السائدة في كل بلد .. فالدول التي تعاني من ارتفاع معدل التضخم تضطر الى رفع معدلات الفائدة على عملاتها، وهي ان لم تفعل ذلك تواجه تدهورا مستمرا في سعر صرف تلك العملات مقابل العملات الاجنبية، ومن هنا فان جزءا مهما من سعر الفائدة الذي يدفع البنك لعملائه او يحتسبه عليهم انما يذهب لتغطية ما يحدثه التضخم من انخفاض مستمر في القيمة الشرائية للنقود. وفي حين يكون هذا الانخفاض واضحا وجليا كما حصل في دول مثل العراق ولبنان وتركيا وايران والسودان فانه يكون بطيئا ولا ينتبه اليه المرء في دول اخرى الا بمرور عدد من السنين. وفي الدوحة تنخفض القوة الشرائية للريال سنة بعد اخرى ولو كان لديك على سبيل المثال سبعون الف ريال عام 1987 فانه كان بإمكانك شراء سيارة امريكية من طراز كابريس بروجهام وبعد مرور عشر سنوات لم يعد بإمكانك فعل ذلك وستكون بحاجة في عام 1997 الى اكثر من مائة الف ريال لشراء سيارة مماثلة من الوكالة.
وقد رخص فضيلة الشيخ د. يوسف القرضاوي بان ياخذ المقرض او الدائن القيمة الحقيقية لأمواله من المقترض في تاريخ السداد وقال لتلفزيون قطر ان من غير المعقول سداد 100 الف ليرة لبنانية او تركية بالأسعار الحالية للصرف اذا كان المقترض قد حصل على القرض قبل سنوات طويلة، وهنا ينطبق قول المولى عز وجل فان تبتم فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ذلك ان سداد رأس المال فقط وبالاسعار الحالية للصرف فيه ظلم كبير لصاحب المال، ولكن فضيلة الشيخ القرضاوي لم يقدم الحل المناسب لمشكلة الصرف واقترح ربط القيمة بما كانت تساويه ذهباً في سنة الاقراض. وقد كتبت إلى فضيلته معلقا بأن هذا الربط لا يحل المشكلة في ظل تراجع اسعار الذهب فالمعروف ان سعر الذهب وصل في عام 1980 الى مستوى 845 دولار للاونصة ولكنه انخفض بعد ذلك وهو في السنوات الثماني الاخيرة لم يرتفع فوق مستوى 400 دولار للاونصة الا لفترات محدودة وهو عند اعداد هذه المقالة يتراجع الى ادنى مستوى له منذ اربع سنوات او اكثر، والحل من وجهة نظري لمشكلة تدهور سعر الصرف يتلخص في الآتي :
1. اذا كان الانخفاض في قيمة القرض محدودا فانه يمكن عندئذ تجاوزه او اعتباره من مصارف الزكاة وصلة الرحم .
2. اما اذا كان الانخفاض في القيمة كبيرا ويشكل عبئا لصاحب المال فان العدالة تقتضي تعويضه بما يعادل نسبة التضخم في فترة القرض وادق قياس لذلك هو احتساب فائدة بمعدل فائدة الايداع التي كان سيحصل عليها اذا اودع المال لدى البنك بالعملة المقترض بها .
3. واذا كان المقترض في حالة عسر ولا يمكنه الوفاء بالقيمة الحقيقية فان للمقرض ان يتصدق بفرق القيمة وأن يعفو فان الله يحب المحسنين .
الخلاصة :

انك عندما تقترض مبلغا من البنك فانك في الغالب تفعل ذلك لعدم توفر من يقرضك بدون فائدة واذا حصلت على المال من البنك فان ما تدفعه له من فائدة محدودة لا يمكن اعتباره الربا الذي نهى عنه القران والسنة النبوية لتعارض ذلك مع مفهوم الربا لغة ولعدم وجود ما يقطع بان معدلات الفائدة السائدة حاليا هي من الربا شرعا ثم إن ما تدفعه للبنك يتوزع بين ما يمكن اعتباره مقابل انخفاض القيمة الشرائية للنقود ولتغطية مصروفات البنك المختلفة. ويظل ما يقدمه لك البنك خدمة جليلة ترفع عنك الحرج من اللجوء الى الاخرين وليس في ذلك ظلم لاحد وبدون الفوائد تضطرب الحياة الاقتصادية لاي بلد على نحو ما اسلفنا

موقف البنوك التجارية والإسلامية من موضوع الأقراض (4-5)

كان من خلاصة ما عرضته في الحلقة الأولى ان الله سبحانه وتعالى قد تدرج في تحريم الربا الذي استشرى في المجتمع الجاهلي، وانه قد مهد للتحريم القطعي بأيات تحض على الانفاق والتصدق وايتاء الزكاة باعتبارها البديل الشرعي للربا. وبعد ذلك شرع الله لعباده التداين وافراد لذلك آية هي الاطول بين ايات تحريم الربا مباشرة مع ما في ذلك من معان ودلالات ..وفي الحلقة الثانية اشرت الى ان حاجة المجتمع للتداين تزيد كثيرا عما يمكن ان تغطيه مصارف الزكاة والصدقة وان البنوك التجارية قامت باقراض المال اللازم للمجتمع مقابل فوائد مالية تشكل في نظر أصحاب البنوك ضرورة تمليها متطلبات العمل المصرفي .
وفي الحلقة الثانية ايضا تناولت موضوع المرابحة في البنوك الإسلامية باعتباره البديل لنظام الإقراض في البنوك التجارية مع بيان اختلافهما في الشكل فقط واتفاقهما في الجوهر باعتبار ان المرابحة هي تمويل لعمليات الشراء وعائدها ليس ربحا بالمعنى الاقتصادي للربح .
وفي الحلقة الثالثة بدأت بالإجابة على التساؤل المطروح عما اذا كانت الفوائد البنكية حرام ام حلال؟. وبدأت بالبحث في المفهوم اللغوي للربا من آيات القران الكريم والسنة النبوية وتوصلت الى ان الربا لغة ليس هو الزيادة البسيطة وانما هو الضعف وقد يقول قائل لماذا نبحث في هذا الموضوع وقد انتهت المجامع الفقهية الى تحريم الفوائد البنكية ؟ والإجابة على السؤال أن الموقف من هذه القضية لم يصل قط الى مرتبة إجماع الأمة وان كان يعتبر اجتهادا جماعيا .. وقد قال بذلك كثيرون من بينهم المفكر الإسلامي المعروف الدكتور محمد عمارة ( الأهرام 22/9/1989) .. وهنالك الكثير من العلماء والفقهاء الذين اقروا بجواز الفوائد البنكية او ما على شاكلتها كفوائد صندوق التوفير وشهادات الاستثمار وكان في مقدمه هؤلاء فضيلة الشيخ الدكتور محمود شلتوت شيخ الازهر الاسبق في كتابه الفتاوي (ص323) حيث قال بان فوائد صندوق توفير البريد حلال .. وفي وقت لاحق افتى الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الازهر بجواز التعامل في شهادات الاستثمار .. وفي عام 1976 اقرت لجنة البحوث الفقهية بمجمع البحوث الاسلامية بالقاهرة بجواز شهادات الاستثمار وفوائدها (انظر الاهرام 8/9/1989 والراية 30/9/1989م)
وفي عام 1982 طرح الدكتور عبد المنعم النمر وزير الاوقاف المصري الاسبق قضية الفوائد للاجتهاد على صفحات الاهرام وبعد سنوات توصل الدكتور محمد سيد طنطاوي مفتي مصر السابق وشيخ الازهر الحالي الى جواز الفوائد البنكية وقال بعد دراسة مستفيضة للموضوع انة لا يوجد في القران والسنة ما يمكن ان يعتد به لتحريم العائد مقدما وكان ذلك في عام 1989م . وقد ايد المفتي في ذلك العديد من العلماء من بينهم الشيخ الغزالي ود عبد الله المشد والدكتور احمد شلبي واخرون ( انظر الاهرام 21/9/1989م ) .
وفي عام 1992م قال الشيخ الغزالي في الدوحة : ان ما يقع مع البنوك هو عقد مضاربة، وان كان شرطا مرفوضاً لدى الفقهاء فان هذا هذا الشرط لا تأباه معاملات شرعية اخرى مثل ايجار الارض بمال محدد. وقال ايضا ان البحث

مفتوح لوجهات نظر اخرى ، ولم يغلق عند الفكر الذي يقضي بتحريم المعاملات البنكية ..
هذا الاستعراض السريع لاراء هؤلاء العلماء يبين انة لا يوجد اجتماع حول القضية المثارة ومما يعزز ذلك القول ان واقع الحال في البلاد العربية والإسلامية يشير الى قبول واسع للبنوك التجارية في تلك البلاد رغم كل ما صدر من فتاوى بتحريم التعامل معها، ولا تكاد تجد بلدا واحدا يخلوا من عشرات البنوك والفروع او من الاف المتعاملين معها او المالكين لأسهمها ويصل العدد في مجموع البلدان العربية بمفردها الى عشرات الملايين.
ولكوني من أهل الاختصاص في موضوع الاقتصاد فإنني وجدت باب الاجتهاد مفتوحا في مسألة الفوائد البنكية فدرستها من جوانبها اللغوية والفقهية والاقتصادية وكان لي فيما انتهى اليه السابقون خير معين وسند وقد عرضت في المقالات السابقة جانبا مما توصلت إليه وأواصل البحث اليوم في الجانب الفقهي وقد كان مما قاله الفقهاء القائلون بتحريم الفوائد البنكية ما يلي :
1. أن في قول الله تعالى وذروا ما بقي من الربا دلاله على تحريم الزيادة البسيطة باعتبار ان ما بقي تشير الى الشئ القليل .
2. ان في قول الله تعالى فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم دلالة على عدم جواز أخذ أي زيادة على رأس المال.
3. الاستناد الى حديث البيوع الذهب بالذهب والفضة بالفضة .. الى قول الرسول فمن زاد او استزاد فقد أربي .. في فهم ان الزيادة على الاصل حرام.
4. الاستناد الى الأحاديث النبوية المتصلة بموضوع المزارعة والمساقاة في استنباط عدم جواز اشتراط جزء معين من الربح وبالتالي عدم جواز تحديد سعر الفائدة مقدما.
5. الاستناد الى القاعدة الفقهية التي تقول بان كل قرض جر منفعة فهو ربا .
ان هذه التبريرات لها وجاهتها ويتبناها جمع كبير من الفقهاء والمسلمين ولكنني مع ذلك أري فيها رأيا مختلفا قد يحتمل الصواب واقدمه على النحو التالي .
تقول كتب التفسير ان المؤمنين قد توقفوا عن التعامل بالربا بعد نزول الآية 275 من سورة البقرة.. ولكن نفرا من ثقيف وهم من اهل الطائف قد دخلوا الاسلام بعد فتح مكة وكان لهم دين على بني المغيرة من مخزوم .. ولم يتوقفوا عن اكل الربا فاشتكى عليهم بنو المغيرة الى سيد مكة فرفع هذا الامر الى الرسول الكريم صلوات الله عليه فنزلت الأية 278 يا ايها الذين امنوا ذروا ما بقى من الربا ان كنتم مؤمنين ومن هنا نفهم ان ذروا ما بقي تخص حالات معينة كانت لا تزال تتعامل بالربا ( رغم ان مفهوم الاية يتسع لكل الحالات المرابين بعد ذلك) وبالتالي فان الاستناد الى ذروا ما بقي باعتبارها دالة على تحريم الزيادة البسيطة امر غير مؤكد لمخالفة ذلك لاسباب نزول الآية .
ثم يبين الله في الاية التالية كيفية الخروج من الربا لمن تاب بقوله فان تبتم فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولاتظلمون، ذلك ان تحريم الربا فقط دون بيان الخطوة التالية يجعل المرابين في حيرة من امرهم فماذا هم فاعلون ؟

ايعيدون ما اكلوه من ربا فاحش وهل باستطاعتهم حساب ذلك؟
ام يقطعون العلاقة مع المدينين فلا يأخذون منهم ولا يعطونهم .
فجاءت الوصفة الآلهية : لكم رؤوس اموالكم. ومرة اخرى فان هذا الحكم هو بيان الطريق لمن اراد ان يتوب وله معاملات مالية متشابكة معقدة ولو كان المقصود بالاية هو تحريم تقاضي أي زيادة على رأس المال لقال المولى عز وجل لا تزيدون ولا تنقصون بدلا من لا تظلمون ولا تظلمون.
واما الاستناد الى حديث البيوع في تحريم الفائدة فلا يمكن الركون اليه بشكل قوى لاعتبارات نذكر منها :
أ) ان ربا البيوع لم يثبت الا بالاحاديث الواردة فيه وهي احاديث لا تثبت قطعيا ويقينا كما قال بذلك الشيخ محمد ابو زهرة في كتاب خاتم النبيين صفحة 1104
ب) ان من الصحابة الثقات من لم يسمع بهذا الحديث من امثال ابن عباس واسامة بن زيد وعبد الله بن الزبير وزيد بن الارقم وسعيد بن جبير ( انظر كتاب تحريم الربا للشيخ محمد ابو زهرة ) وانظر كذلك صحيح مسلم الجزء الثالث الاحاديث 101 و 102 و 104 وكلها تؤكد قول النبي صلوات الله وسلامه عليه لا ربا الا في النسيئة .. أي في الأجل.
ت) انه لو سلمنا بقبول هذا الحديث فانه كما يقول الشيخ ابو زهرة وغيره قد جاء لمنع الاحتكار وتنظيم امور التجارة والتبادل السلعي .
ث) ان القول في اخر الحديث .. من زاد او استزاد فقد اربي لا يجب ان يفهم الا في موضوع التجارة بدليل ان هناك احاديث تتصل بموضوع القروض وحث فيها الرسول الكريم على القضاء والزيادة انظر في ذلك حديث جابر بن عبد الله:( كان لي على رسول الله حق فقضاني وزادني)، وفي حديث ابي رافع ان النبي صلي الله عليه وسلم قال : (ان خيركم احسنكم قضاء) انظر ذلك في كتاب فقه السنة للشيخ سيد سابق.
ثم ان الاستناد الى احاديث المساقاة والمزارعة لاستنباط قواعد تتعلق بعدم جواز اشتراط تحديد الفائدة مقدما امر لا يمكن الاعتداد به ايضا .. ومنطق ذلك ان الله ارحم بعباده من ان يتركهم يقعون في معصية الربا بدون ان يوضح لهم المقصود بالمعنى في القران الكريم او ان يترك لرسوله بيان ذلك بوضوح ولكن الاحاديث المباشرة عن الربا قد أكدت تحريمه دون أن تفصله او تضيف عليه سواء في ذلك ما ورد في حجة الوداع او حديث لعن الله اكل الربا وموكله .. الخ.
وقد اولى الله تعالى المحرمات عناية خاصة في القران الكريم بحيث يلحظ المتدبر لايات الله تحديدا دقيقا للمحرمات او تكرار ملحوظا في الفاظها ومعانيها، وفي معظم ايات التحريم يجد القارئ تنبيها واضحا من المولى عز وجل بأن تلك حدود الله فلا تقربوها ومن هنا نفهم ان الله ورسوله قد حرم الربا المعروف في الجاهلية ولم يكن الامر بحاجة الى بيان وتفصيل وان ذلك الربا المضاعف كان فيه ظلم شديد واستغلال لحاجات الناس وقد قال الشيخ ابن تيمية في كتاب الفتاوي الكبرى الجزء الثالث ص 416 بأن الربا يفعله المحتاج فالموسر لا يأخذ الفا حالة بالف ومائتين مؤجلة وقال اخرون بأن فوائد البنوك وارباح شهادات الاستثمار لا تؤدي الى ما يؤدي اليه الربا من قطع صلة القربي بين الناس ولا تتنافى مع الاحسان
والمواساة وليس فيها تسلط على الفقراء وليس فيها تحجر قلب وانتهاز فرصة وهي علة تحريم الربا.