الأرشيف الشهري: مارس 1997

في مسألة الفوائد البنكية: الحلال بين والحرام بين

كان الجدل لا يزال محتدما في حلقة الخميس الماضي من برنامج قضايا واراء حول موضوع الفوائد البنكية وقد كرر الشيخ الدكتور على السالوس – وهو احد رموز البنوك الاسلامية في قطر – ما قاله الشيخ الدكتور قرة داغي في الحلقة الاولى من ان الفوائد البنكية حرام استنادا الى قرارات المجامع الفقهية التي استندت بدورها الى تعريف للربا يقول بانه زيادة مشروطة على راس المال بدون عوض يقابلها وكانت الحلقة اكثر توازنا من الاولى حيث جمعت بين الراي والراي المعاكس وتمثل ذلك في مشاركة الدكتور الشيخ احمد شلبي من القاهرة على الهاتف وقد اكد الدكتور شلبي ان له فتوي سابقة لاذاعة قطر بعدم وجود ما يحرم فوائد البنوك وان فتواه تلك قد لقيت تأييدا من الشيخ محمد الغزالي رحمه الله وقال استنادا الى راي الامام احمد بن حنبل ان قرارات المجامع الفقهية لا تشكل اجماعا للامة طالما كان هناك فقهاء مخالفون ومعارضون لراي المجمع وتعزز راي الدكتور شلبي بفاكس وصل للبرنامج من الشيخ محمد بن حمد آل ثاني شهد فيه ان الشيخ الغزالي قال له قبل سنوات ان فوائد البنوك حلال.
والحقيقة ان ملف هذا الموضوع لم يقفل كما يقول فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي لان الامر لم يحسم لجهة دون اخرى وفي قطر على سبيل المثال يوجد اثنا عشر بنكا تجاريا لها ثلاثة وثلاثون فرعا ويملكها الاف المساهمين ويعمل بها الاف الموظفين ويتعامل معها عشرات الالوف من المودعين والمقترضين فهل كل أولئك مرابون وملعونون .
إن الامر يتلخص في نقطة واحدة تحسم الخلاف كله وهي مفهومنا لمعني الزيادة – فاذا كان الجصاص وغيره يرون ان الربا هو الزيادة فانني اسال أي نوع من الزيادات هي؟ و القرآن الكريم يتعامل مع ثلاثة أنواع من الزيادات: الزيادة البسيطة مثل قوله ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا هنا التسعة تمثل ثلاثة بالمائة وقد وردت ايات كثيرة على مثل هذا النوع من الزيادات المحددة وهناك زيادة الضعف ومنها قوله تعالى ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار ثم هناك الزيادات الكبيرة جدا والتي يعبر عنها بالتضاعف مرتين او اكثر مثل قوله يضاعف لها العذاب ضعفين والله يضاعف لمن يشاء .
وقد اقترن لفظ الربا في القران والسنة بلفظ المضاعفة والامثلة على ذلك كثيرة ومنها : قوله تعالى: يمحق الله الربا ويربي الصدقات فالصدقات ثوابها مضاعف انطلاقا من كون الحسنة بعشرة امثالها ولقوله تعالى وإن تك حسنة يضاعفها .
والربا هو الضعف الذي يؤخذ في سنة واحدة وليس في سنوات عديدة بفعل التراكم وكان ذلك هو الحال عند نزول التحريم القطعي في اواخر سورة البقرة بل ان الربا في مرحلة سابقة نقدرها بأنها في السنوات الاولى من الهجرة إبان غزوة أحد كان يؤخذ اضعافا مضاعفة كما تقول بذلك الاية 130 من سورة آل عمران .
وفي رأيي ان الفوائد التي تتقاضاها البنوك لا علاقة لها على الاطلاق بالربا المحرم ويمكن ان ننظر الى الفوائد على النحو التالي :-
اولا: فوائد الايداع وتدفعها البنوك لاصحاب الودائع بنسبة تعادل تقريبا نسبة التضخم السائدة في بلد الايداع وذلك حتى تعوضهم عن تناقص القيمة الشرائية لنقودهم المودعة في البنك .
ثانيا : فوائد الاقتراض ويدفعها المقترضون للبنك بنسب تعادل نسبة التضخم مضافا اليها نسبة اخرى لتغطية مصروفات البنك المختلفة و لتامين ربح معقول للبنك نظير ما يقدمه من خدمات للطرفين.
ولأن نسبة التضخم تختلف من بلد لآخر فإننا تجد أن معدلات الفائدة تختلف من بلد لاخر وما بين وقت لاخر في نفس البلد الواحد. وفي قطر تبلغ فوائد الايداع عام 1997 نحو 6 بالمائة وهي تتراوح ما بين 10 –12 بالمائة بالنسبة لفوائد الاقتراض : وهذه النسب تكاد تكون معقولة وعادلة وتكفل استمرار النظام المصرفي في تقديم خدماته التي تتمثل في تجميع مدخرات الافراد واعادة توظيفها للقطاعات التي تحتاج إليها وهذه النسب لا تختلف في كثير او قليل عن النسب التي تمنحها او تتقاضاها البنوك الاسلامية للمودعين وللباحثين عن التمويل بالمرابحة.
وإذاً فالحلال بيِّن وهو الفوائد والحرام بين وهو الربا الضعف فاين المشتبهات ؟؟ انها الفوائد العالية التي تزيد عن المعقول فلو فرضنا ان مصرف قطر المركزي قد سمح للبنوك يرفع معدلات الفائدة عن المستويات الراهنة بدون مبرر او سند كأن تزيد عن الخمسين بالمائة فانها تدخل في دائرة المشتبهات وتقترب من دائرة الحرام وهو الربا (الضعف) أو نحوه وفي ذلك ظلم للمقترضين وانهاك للاقتصاد القطري.
ولو عدنا الى تعريف الربا مرة اخرى لوجدنا ان الدكتور السالوس يحرم الفوائد لأنها تكون مشروطة مقدماً ، وقد قال الدكتور أحمد شلبي واخرون بانه لا يوجد ما يمنع اشتراط الفائدة مقدما، والتحريم عند القائلين به ماخوذ بالقياس عن حديث المزارعه الذي نهى فيه الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه عن تحديد العائد مقدما واوصي بان يكون نصيب المالك من ناتج الأرض ، وكما قلت في المقالة السابقة فان القياس هنا غير دقيق لاختلاف المزارعة عن اقتراض الاموال السائلة باعتبار ان الظروف في الحالة الاولى مقيدة للمستثمر من حيث نوع التربة وموقع الارض ونوع الشجر ، اما في الاموال السائلة فإن المقترض حر التصرف كيفما يشاء وبامكانه استثمارها في مجالات متنوعة جداً.
وتظل هنالك نقطة اخرى تتعلق بما يراه الدكتور السالوس سببا لتحريم الفوائد – وهي التزام البنوك برد رأس المال للمودعين والتزام المقترضين برد رأس المال للبنك .. ذلك اننا اذا نظرنا الى الموضوع من زاوية الاقراض والتداين فان الامر يصبح منطقيا وقد اوصى القرآن الكريم في الآية 282 من سورة البقرة بأن نكتب الديون صغيرةً كانت أم كبيرة ، كيف يحفظ كل طرف ماله وما عليه. بمعنى اخر اذا كانت المعاملة مضاربة او مشاركة فان ضمان راس المال ينتفي لاشتراك الطرفين في المكسب والمغرم ولكن إذا كانت البنوك وسيطاً في تعاملاتها بين مودع ومقترض وانها تتقاضي في ذلك فوائد مقابل خدماتها ولتغطية مصروفاتها وللتعويض عن تاكل القوة الشرائية للنقود فان ضمان راس المال يصبح ضروريا لاستقرار المعاملات بين الناس.

نعم الشيخ الغزالي مع العارضين ، وهذا هو الدليل

وزع الدكتور علي السالوس بيانا على الصحف القطرية نشرته يوم الخميس الماضي تحت عناوين مختلفة ونشرته الراية تحت عنوان: تعقيبا على برنامج قضايا وآراء .. اين الحلال واين الحرام .. وقد انتقد الدكتور السالوس البرنامج وقال انه لم يكن موفقاً في اختيار موضوع فوائد البنوك .. وان الحكم في هذا الأمر لا يجب ان يتم عن طريق حوار يشترك فيه العامة والخاصة والعلماء والجهلاء والمختصون وغير المختصين .
وواضح من رد الدكتور السالوس انه يريد ان يقطع الطريق على الاذاعة حتى لا تكمل بحث الموضوع في حلقة ثالثة هذا الأسبوع كما وعد بذلك الأستاذ عبد العزيز محمد ..
والحقيقة ان استمرار مناقشة القضية في وسائل الأعلام المختلفة امر مهم حتى يراجع العالمون علمهم ويعلم الجاهلون ما خفي عليهم من امر حياتهم وليس في ذلك ضرر بل فيه الخير كل الخير لحاضر الامة ومستقبلها . وقد عجبت لأمر اثنين في هذا الزمان .. الأول عالم يرى في مناقشة موضوع الفوائد والبنوك فتنة للاسلام والمسلمين والثاني مثقف يصم اذنية عن الحوار ويتمسك بمقولة ضعها في ذمة عالم واطلع سالم .. فأما الأول فانه كان من الاولى به ان يكون احرصنا على فتح باب المناقشة في هذا الموضوع طالما ظن في نفسه القدرة على مقارعة الحجة بالحجة وصولا الى الحقيقة المجردة وحتى يستقيم الامر على النحو الصحيح ، فليس من المعقول ان تكون الفوائد حرام والبنوك ربوية ونسكت عليها وهي بين ظهرانينا صبحا ومساء وقد كان من المفروض ان يراجع مثل هذا العالم نفسه ويدرس ظاهرة تنامي عدد من البنوك وتكاثر ودائعها وازدهار اعمالها رغم ما يقال في كل مناسبة عن حرمة الفوائد المستمدة من تحريم الربا .. واما المثقف الذي يناى بنفسه عن الخوض في هذا الموضوع فانه لا يرضى الله في ذلك لأن ديننا دين علم ومعرفة ويامرنا ان نجادل وان نناقش وفي قصة موسى عليه السلام مع الرجل الصالح توجيه لنا بعدم قبول الأقوال والأفعال التي تتعارض مع الفطرة السليمة حتى لو جاءت من رجل عالم حتى يتبين لنا القصد منها .. وتروي لنا الايات من 60 الى 82 من سورة الكهف كيف ان موسى عليه السلام لم يطق صبراً او سكوتا وراح يجادل الرجل الصالح على خرقه للسفينة وقتله للغلام واقامته للجدار الأيل للسقوط .. ويحضنا المولى عز وجل ان نسأل اهل الذكر فيما

لا نعلم .. واهل العلم في موضوع الفوائد والبنوك هم الاقتصاديون المسلمون ورجال الدين معا .. وقد انفرد علماء المجمع الفقهي بتحريم الفوائد عام 1965 دون مشاركة فاعلة من اهل الاختصاص الاصليين وهم الاقتصاديون، فجاءت فتواهم مناقضة لما يراه العامة والخاصة من نفع كبير ومصلحة رائجة من وراء البنوك، فكان ان ظلت هذه قائمة سنة بعد أخرى وتزايد عددها واتسع نشاطها على نحو ما يعلم الجميع .
وقد جادل علماء في الفقه والاقتصاد في فتوى المجمع الفقهي لانها لا تتفق مع روح اليسر في ديننا الاسلامي الحنيف ، وقد وجد بعضهم فيما قاله شيخ الاسلام ابن تيمية واخرون بعض السند، فقد قال ابن تيمية رحمه الله ان كل ما لايتم المعاش الا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعاه وقال الامام بن قدامه في المغني ان ما فيه مصلحة من غير ضرر باحد فهو جائزة وقال ابن حزم رحمه الله المفسدة اذا عارضتها مصلحة راجحة قدمت المصلحة والغي اعتبار المفسدة .
ورأي آخرون ان علة تحريم الربا هي ما فيه من ظلم بين حيث كان المرابون يتقاضون ضعف أموالهم او اكثر .. انظر في ذلك قوله تعالى في سورة النساء الآية 159 فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وهذا الظلم مصدره أمور ثلاثة تشرحها الآيتان التاليتان 160 و 161 بانها : صد اليهود عن سبيل الله – واخذهم الربا وقد نهوا عنه – واكلهم اموال الناس بالباطل .. وفي المعاملات البنكية الحديثة ينتفي الظلم وتلتقي مصالح المودعين والمقترضين عند وسيط هو البنك .. فالمودع يحصل من البنك على فائدة محدودة تعوضه عن تناقص القيمة الشرائية للنقود سنة بعد اخرى والمقترض يدفع نسبة اضافية لتغطية مصروفات البنك، وتمكنه من تحقيق بعض الربح لمساهميه .
وقد كان من بين القائلين بعدم حرمة الفوائد اناس على درجة عالية من الفهم والإدراك لابعاد هذه القضية وملابساتها . ومن هؤلاء الأستاذ الدكتور إبراهيم الناصر بمؤسسة النقد العربي السعودي والدكتور معروف الدواليبي مستشار خادم الحرمين الشريفين والشيخ الدكتور عبد المنعم النمر وزير الأوقاف الأسبق بمجهورية مصر العربية والشيخ الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الجامع الازهر والشيخ الدكتور عبد الله المشد رئيس لجنة الفتوى بالازهر الشريف، والدكتور احمد شلبي استاذ سابق بجامعة قطر والدكتور سعيد النجار من كبار الاقتصاديين في مصر والشيخ الدكتور كامل زغموت مستشار سابق للشئون الاسلامية بدولة قطر وفضيلة الشيخ محمد الغزالي الداعية الاسلامي الكبير رحمه الله .

وقد حاول الدكتور السالوس في مناسبات سابقة ان يقلل من شأن فتاوى العلماء المشار اليهم باعتبار انهم ليسوا من الفقهاء فالدكتور طنطاوي استاذ في التفسير والدكتور شلبي استاذ في التاريخ الاسلامي والدكتور ابراهيم الناصر استاذ في القانون الوضعي والشيخ الغزالي متخصص في شئون الدعوة .
وفي بيانه الاخير اعاد الدكتور السالوس للغزالي مكانته واعتباره كاستاذ جليل وفقيه كبير ولكنه في المقابل حاول ان يشكك فيما قيل عن انضمامه للمعارضين لتحريم الفوائد .. وهذا التشكيك المبنى على تقديم له في كتاب عن الربا لا يفيد في شيء لان الشيخ الغزالي رحمه الله كان في الدوحة لسنوات خلت وقد قال رأيه بصراحة لكل من سأله .. ويجد القارئ مع هذه المقالة تأكيد لهذا القول في القصاصات المرفقة .. والقصاصة الأولى وردت في الاهرام بتاريخ 21/سبتمبر 1989, في الصفحة الاولى ونصها : الغزالي والمشد يؤكدان ان المفتي على صواب بشأن عدم ربوية الفوائد .
وفي عام 1992م عرضت على الشيخ الغزالي بحثا بعنوان تأملات جديدة في موضوع تحريم الفوائد وصنفت الشيخ الغزالي في البحث مع المعارضين للتحريم .. فوافق على ذلك وكتب بخط يده ما تجدونه في القصاصة الثانية وهو : هذا بحث جديد في موضوعه واستدلاله وارى انه جدير بالنظر والبحث، وان كان رأيي ان ما يقع مع البنوك هو عقد مضاربة واذا كان تضمن شرطا مرفوضا لدى الفقهاء فان هذا الشرط لا تاباه معاملات شرعية اخرى مثل ايجار الارض بمال محدد وتضمين الصناع.
واضاف الشيخ الغزالي : وايا ما كان الامر فالبحث مفتوح لوجهات نظر اخرى ولم يغلق عند الفكر الذي يقضي بتحريم المعاملات البنكية في هذا المجال .
وكان الدكتور السالوس قد اطلع على البحث المشار اليه قبل الشيخ الغزالي ورفض التعليق عليه بحجة انني لست فقيها فقلت له انني اقتصادي مسلم وقد فقهت الموضوع باطلاعي على كل ما كتب بشأنه فقال ناصحا : لا تطلع احدا على هذا البحث ولا تنشره فزادني ذلك اصرارا على متابعة الامر مع العلماء والمختصين وقد نشرت منذ شهر رمضان الماضي سبع مقالات شرحت فيها وجهة نظري في الجوانب المختلفة للموضوع وخاصة مفهوم الربا كما ورد في القرآن الكريم والاحاديث النبوية، والجوانب الفقهية والمبررات الاقتصادية التي تسند القول بعدم حرمه الفوائد وقد حاول الدكتور السالوس الالتفاف على ما اثرته من ملاحظات واكتفى بالتعليق على مفهوم الربا الضعف عن تقديم اخر للشيخ الشعراوي الذي لم يقرأ ما كتبته فقال : ومن العجيب ان نرى من يقولون بأن الربا المحرم هو الاضعاف المضاعفة بنص القرأن ولم يفرقوا بين واقع كان سائدا وبين قيد في الحكم وكأنهم لم يقرأوا قول اله تعالي : فلكم رؤوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون ..
وما قلته في البحث مغاير لذلك تماما وملخصه ان الربا لغة هو الضعف الواحد باعتبار ان يربي الصدقات بمعنى يضاعفها انطلاقا من قوله تعالى وان تك حسنة يضاعفها .. وقلت ان ربا الاضعاف المضاعفة كان سائدا في مرحلة سابقة استمرت حتى زمن غزوة احد وانتهت بنزول الآية 130 من سورة ال عمران .. يا ايها الذين امنوا لا تأكلوا الربا اضعافا مضاعفة .
واما ايات التحريم القطعي للربا (الضعف) فقد نزلت في اواخر سورة البقرة الايات 275 –281 وهي قد جاءت في اولئك النفر من ثقيف الذين قالوا صولحنا ان لنا ربانا وكانوا قد دخلوا الاسلام بعد فتح مكة فنزلت فيهم الاية يا ايها الذين امنوا ذروا ما بقي من الربا ان كنتم مؤمنين .. ثم قدم المولى عز وجل الوصفة الالهية لهم ولكل من على شاكلتهم من المرابين للخروج من ورطة الربا وهي لكم رؤوس اموالكم وذلك ليس قيدا في التحريم ولكنه حل لمشكلة تواجه كل مرابي يقرر التوبة .. وهي بذلك لا تقرر شيئا بشأن تحريم الفوائد . والله اعلم ،،

القروض البنكية بين احتياجات التنمية ودعاوى التشكيك

من الاقوال التي رددها بعض المتحدثين في موضوع الفوائد البنكية والبنوك ان المشروعات التي تقترض من البنوك التجارية تتعرض للافلاس وهذا الكلام غير صحيح على اطلاقه ويتنافى مع المنطق ، السليم وما لا يعرفه المرددون لهذا الكلام ان أي مشروع يحتاج الى تضافر مجموعة من العناصر كي ينجح وهذه العناصر هي راس المال الكافي والايدي العاملة المدربة والمواد الخام والطاقة المحركة ووسائل النقل من والى المشروع وتوافر الاسواق والتنظيم الجيد القائم على الخبرة والتكنولوجيا المناسبة وبدون أي من هذه العناصر يصبح المشروع عرضة للخسارة والفشل .. وكثير من المشروعات التي قامت حتى الان في قطر قد اعتمدت في مرحلة البناء والتأسيس او اثناء على القتارض ولو نظرنا الى المشروعات الكبيرة التي تنشر بياناتها لوجدنا انها اعتمدت على البنوك العالمية والوطنية في توفير نحو 70 بالمائة من التكاليف اللازمة لاي منها ومع ذلك نجحت تلك المشروعات واستطاعت تحقيق أرباحاً ضخمة واصبحت تساهم في تنويع مصادر الدخل القومي وتشكل رافدا مهما من روافد الايرادات العامة للدولة لقد بلغت ارباح شركة قطر للاسمدة الكيماوية في عام 1996 نحو 519 مليون ريال ونحو 550 مليون ريال في عام 1995 وفي الفترة ما بين 1980 الى 1995 تجاوزت ارباحها المتراكمة اكثر من الفي مليون ريال وكان ذلك النجاح وراء تنفيذ عدة توسعات للشركة كان اخرها يوم 24 مارس عام 1996 مما جعل شركة قافكو واحدة من اكبر منتجي الأسمدة الكيماوية في منطقة الشرق الأوسط. وما يقال عن قافكو يمكن تكراره بدرجة او باخرى عن شركة قطر للبتروكيماويات قابكو وشركة قطر للحديد والصلب قاسكو ، فهذه الشركات توافرت لها عناصر النجاح فنجحت رغم اعتمادها على القروض والتسهيلات. واليوم تبني قطر مجموعة اخرى من المشروعات الإنمائية بقروض كبيرة تصل الى مليارات الدولارات ومن منا لم يسمع عن مشروعات الغاز الضخمة في رأس لفان التي قال عنها سعادة وزير الطاقة والصناعة انها ستكلف نحو 25 بليون ريال قطري لجهة قطر غاز ورأس غاز فقط ، فضلا عن مشروعات انتاج الميثانول واللدائن البلاستيكية وتحويل الغاز الى وقود سائل وتكرير المكثفات وبناء مجمعات جديدة للايثلين والحديد والصلب ومشروع المطار الجديد ومحطة توليد الكهرباء وتحلية المياه وغيرها الكثير من مشروعات يتم اقامتها بقروض وسندات تمويل وتشارك فيها بنوك محلية وعالمية وبمعدلات فائدة لا تزيد على 9 بالمائة. ان دولة قطر تبني للمستقبل بخطى واثقة ولو تقاعست عن ذلك فانها سوف تتخلف عن اللحاق بركب الحضارة والتطور وتدخل القرن الحادي والعشرين بدون ان تعد لكل شيء عدته.
وما يحدث في قطر يحدث ايضا على امتداد الساحة العربية والاسلامية .. فنسمع كل يوم عن اقامة مشروعات مماثلة في عمان واليمن والامارات والسعودية ومصر وكلها تعتمد على القروض في توفير معظم التمويل اللازم لها ، واذا كانت هنالك بعض المشروعات الفاشلة في عالمنا العربي والاسلامي فان ذلك مرجعه سوء التخطيط واستغلال النفوذ ونهب الثروات اضافة الى عوامل لا يمكن تجاهل أثرها كالحروب ، فقد تعرض الاقتصاد المصري ومن بعده اللبناني والعراقي والايراني الى الدمار والتخلف من جراء الحروب الإقليمية والاهلية..وعندما ارادت مصر ان تعيد بناء مرافقها ومشروعاتها الإنتاجية وجدت نفسها بحاجة الى بلايين جديدة من الدولارات لتنفيذ ذلك كما ان انخفاض قيمة الجنيه المصري امام الدولار والعملات الأجنبية يسبب هذه العوامل وغيرها قد ساعد على تضخم قيمة القروض مقومة بالجنيه مما جعل مصر تسدد أضعاف ما اقترضته ولم يكن ذلك بسبب الفوائد – كما يروج لذلك بعض الناس – المعروف ان قيمة الجنيه المصري حتى عام 1973 كانت في حدود 73 قرشا للدولار الواحد وهي قد تدهورت بعد الحرب وسنوات الانفتاح ووصلت مع نهاية الثمانينات الى مستوى 32ر3 جنيه للدولار قبل ان تتمكن وزارة الدكتور عاطف صدقي من تثبيته عند هذا المستوى بفضل سياسات نقدية مدروسة كان من بينها رفع سعر الفائدة على الجنيه بما يتناسب مع معدل التضخم في مصر. وفي قطر تبذل الحكومة كل ما تستطيع من جهد لتنشيط القطاع الخاص وهي لذلك قد انشأت بنكا للتنمية الصناعية ليقدم القروض الميسرة بفوائد محدودة لا تزيد على نصف المعدل السائد في السوق لكل من لديه مشروع إنتاجي مدروس. الجدير بالذكر ان البنك قد تأسس برأسمال مشترك بين الحكومة والبنوك الوطنية وشركات التأمين وبعض الشركات الاخرى .. كما قامت الحكومة بانشاء سوق الدوحة للاوراق المالية للمساعدة في تفعيل القطاع الخاص عن طريق تسهيل انشاء الشركات المساهمة والمساعدة في توفير التمويل اللازم لتلك الشركات باصدار الأسهم والسندات المالية .
ومن هنا فان القول الذي يردده البعض عن اللعنة التي تصيب المقترضين فتجعلهم يفلسون امر مرفوض ويتعارض مع الفكر المستنير الذي ينادي به الدين الاسلامي الحنيف والذي تحرص الحكومة القطرية الرشيدة على توفير كل اسباب الرواج له.
ولقد ساهم برنامج قضايا وآراء على مدى ثلاث حلقات كاملة في اتاحة الفرصة للتفاعل الاراء ووجهات النظر في موضوع الفوائد والبنوك وتمكن الناس من الاستماع الى الرأي الآخر في هذا الموضوع الهام ووجدوا لدى اصحاب الاختصاص من الاقتصاديين والفقهاء حججاً قوية بشأن عدم حرمة الفوائد وكان اللقاء الاخير مع الدكتور محمد شوقي الفنجري استاذ الاقتصاد الاسلامي واحد كبار العلماء الذين اخذت المجامع الفقهية برايهم ان الفوائد ليست حراما وان معاملات البنوك حلال ولا علاقة لها بالربا المحرم في القران . وتظل هنالك بعض الملاحظات اقدمها لبرنامج قضايا واراء كي يواصل رسالته التنويرية وهي :
1. انه يجب ان يختار ضيوفه بعناية وان يستمع الى وجهة نظرهم قبل ان يضعهم على الهواء ..فذلك المسئول في البنك الكويتي لم يكن الا عامل تعطيل لوقت البرنامج ولم يكن لديه فكرة او راي يضيفه في حين ان ضيوفا اخرين كانت لديهم القدرة على المناقشة واعطاء الرأي والاسهام في موضوع الحلقة بشكل جيد .
2. ان البرنامج يكون سخياً مع ضيوفه الاوائل ويعطيهم فترات طويلة بدون مقاطعة ثم يبخل على الذين يأتون في المؤخرة فلا يعطيهم الفرصة للتعبير عن ارائهم الا لدقائق معدودة.
3. ان من الافضل عدم تعطيل وقت البرنامج باسئلة مكررة او غير ذي بال من جانب بعض المستمعين ومن الافضل تسجيل الاسئلة ثم وضعها على الهواء بواسطة المخرج اذا كان فيها ما يفيد او يضيف الى السياق العام للحلقة.
انني اهيب باصحاب الفضيلة العلماء وفي مقدمتهم الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله ان يفسحوا صدورهم للمناقشة في هذا الموضوع الهام وان يتنادوا الى عقد مؤتمر موسع لاصحاب الفكر والراي الاقتصاديين والفقهاء والقانونيين لمناقشة هذا الموضوع على ضوء ما حدث فيه من تطور خلال السنوات الخمس عشرة الماضية سواء لجهة انشاء بنوك اسلامية وما حققته من تطور او بعد حدوث تحول في اراء العلماء الافاضل امثال الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الجامع الازهر وصاحب الفضيلة الشيخ محمد الغزالي رحمه الله والاساتذة الدكتور محمد شوقي الفنجري والدكتور احمد شلبي والدكتور معروف الدواليبي وغيرهم كثيرون.
ان تكفير أصحاب الراي الاخر من فوق المنابر لن يحل المشاكل ولكن الحوار في القاعات المغلقة ومقارعة الحجة بالحجة على اسس علمية هو وحده الكفيل بحل المسائل العالقة.
ان اليهود الذين اسسوا البنوك قد سادوا العالم اليوم بفضل سيطرتهم المالية على تلك المؤسسات الهامة في اكبر الدول الصناعية ولو كانت تلك المؤسسات ربوية لافتقرت تلك الدول واصابها ما اصاب العالم الثالث من تخلف ولكنها بالبنوك تقدمت وتطورت فهل نظل بعيدين عن امتلاك ادوات القوة في العصر الحديث ؟