الأرشيف الشهري: أبريل 1997

للشيخ الجليل يوسف القرضاوي مكانته واحترامه ولكن

أشكر لفضيلة شيخنا الجليل الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي مناقشة موضوع فوائد البنوك من على المنبر يوم الجمعة وهو قد صال وجال وقال كلمته التي انتظرتها الجماهير منذ أسبوع .. ومن حقي كصاحب رأي مغاير ومعاكس ان ارد على ما قاله الشيخ الجليل خاصة وانه تعرض لما كتبته عن هذا الموضوع بقدر من التشويه، وهو أمر لم نعهده في فضيلة الشيخ .. ولقد حرص الشيخ الجليل على التأكيد في بداية الخطبة على انه مع التحاور وانه يحب سماع الرأي الآخر ولكنه مع ذلك رفض المشاركة في ثلاث حلقات من برنامج قضايا وآراء وترك لغيره من الفقهاء المشاركة في الحوار حتى تظل له الكلمة الأخيرة يقولها من على المنبر بدون محاورة او مقاطعة .. فماذا قال شيخنا الجليل حفظه الله وأمد في عمره:-
1. قال انه اعترض على البرنامج لأنه ناقش قضية علمية وفقهية بمشاركة كل من هب ودب .. وذلك غير صحيح فالمشاركون كانوا في جملتهم مجموعة من كبار العلماء والفقهاء والمتخصصين وهؤلاء قد استحوذوا على معظم وقت الحلقات – وهم من الجانب المؤيد الأساتذة : د. علي قرة داغي و د. علي السالوس والشيخ طايس الجميلي والشيخ عادل يوسف .. ومن الجانب المعارض فضيلة الأمام الأكبر الشيخ محمد طنطاوي ثم الاستاذة د. احمد حمد والدكتور احمد شلبي والدكتور محمد شوقي الفنجري، وباستثناء هؤلاء كانت هناك مساهمات محدودة من بعض الجمهور الذين قدموا في معظمهم شكاوي من البنوك الاسلامية .
2. قال الشيخ الجليل ان القائلين بحرمة الفوائد لم يعطوا الفرصة لإبداء رأيهم في الموضوع وللرد على ما يقوله الفريق الآخر .. وهذا أمر غير صحيح وبإمكان فضيلته ان يطلب من أي احد ان يحسب الوقت الذي استحوذه الدكتور فرة داغي والدكتور السالوس والشيخان طايس الجميلي وعادل يوسف ليرى انهم قد حصلوا على نصف الوقت المخصص للحلقات الثلاث ان لم يكن اكثر .
3. قال الشيخ الجليل ان الإذاعة قد حرصت على انتقاء ناس معينين عرفوا بالشذوذ عن اجماع الأمة وانها بحثت عن هؤلاء بالإبرة ووصفهم بأنهم نكرات !!!
ولا اعرف ان شيخ الأزهر نكرة او ان د. شوقي الفنجري من الشاذين على إجماع الأمة بل هو من العلماء الذين أخذت المجامع الفقهية رأيهم في الموضوع قبل ربع قرن من الزمان .. كما انه أستاذ في مادة الاقتصاد الإسلامي ومن الرعيل الأول ..
4. قال الشيخ الجليل أن الكلام عن التضخم غير مقبول في هذا الموضوع بحجة أن الأسعار يمكن أن ترتفع وتنخفض وهنا يناقض الشيخ الجليل نفسه . فقد قال مرات عديدة بأن النقود الحالية تتناقص قيمتها بمرور الزمن وضرب أمثله لذلك بالعملتين اللبنانية والتركية .. وطالب بالتعويض عن ذلك بربط قيمة القرض بالذهب .. وقد حاججته في ذلك في سلسلة من المقالات وقلت ان الذهب لم يعد مقياسا ثابتا للقيمة منذ انهيار قاعدة الذهب في عام 1971م .. وهو اليوم يقول ما يقوله الدكتور السالوس من ان الاسعار ترتفع وتنخفض .. وهذا الكلام مردود عليه لأن التضخم هو مقياس مرجح لجملة الاسعار في أي مجتمع وليس سعرا لسلعة بعينها، وارجوا ان يراجع الشيخ الجليل إحصاءات صندوق النقد الدولي التي تصدر بشكل منتظم فلن يجد في الخمسين سنة الماضية دولة واحدة في العالم كله تمتعت بتضخم سلبي كامل، بل ان نسب التضخم تتراوح ما بين اثنين او ثلاثة بالمائة كحد ادنى في بعض الدول المتقدمة ونحو 50 بالمائة او اكثر كما في بعض دول أمريكا اللاتينية وقد تزيد النسبة عن مائة بالمائة زمن الحروب كما حدث في العراق ولبنان والسودان وتركيا والأرجنتين ..وغيرها وبقدر ما ترتفع معدلات التضخم بقدر ما يصبح من الضروري رفع معدل الفائدة .
5. قال الشيخ الجليل ان فوائد البنوك ليست ارباحا لأن الربح هو عائد صاحب المشروع المنظم وان الربح لا يمكن ان يتحقق الا بعد انتهاء العملية .. ونحن نتفق مع فضيلته في ذلك ولكننا نسأل الشيخ عن رأيه في ارباح المرابحات والمساومات التي تشكل غالبية اعمال البنوك الاسلامية .. هل يرى انه كثر من عائد تمويل للصفقات التي يتم الاتفاق عليها .. او لا يرى شيخنا الجليل ان هذا العائد يتحدد مقدماً علي ضوء عاملين اساسيين هما:
v مقدار القسط الشهري الذي يدفعه العميل ومدة السداد .
v معدل الفائدة السائد في المجتمع، الايري فضيلته ان الاستدلالبالآية الكريمة: (( وأحل الله البيع وحرم الربا))، إنما هو استدلال في غير موضعه لان البنك الإسلامي لا يقوم هنا بتجارة حقيقة وليس لديه مشروع يستحق عليه الربح انما هو يأخذ من هذا المشتري ليعطي ذلك ( البائع الحقيقي ) واذا لم يدفع المشتري تولى البنك استلام القسط من كفيله .
06 قال ان هناك من يقول ان الربا ليس معناه الزيادة بل المضاعفة استنادا الى قوله تعالى وان تك حسن يضاعفها وطلب الشيخ بالرجوع الى المعاجم اللغوية كالقاموس تاج العروس او حتى الى مختار الصحاح كي نجد فيه ان الربا معناه الزيادة أي زاد ونما علاه وذكر قول الله تعالى ( وأخذناه أخذة رابية ) بمعني زائدة وقال ان صاحبنا اكتشف ما غاب عن الفقهاء وجاء بكلام من عنده ليس به اثارة من علم ولا هدى ولا كتاب منير ولا قام عليه من الشرع برهان.
وقد عجبت من قول شيخنا هذا اشد العجب .. وهو إما انه لم يقرأ ما كتبته
الا قليلاً او انه تعمد تشويه ما قلت ..وقبل ان أعيد ما كتبته او قلته في هذا الصدد اود ان اذكر فضيلة الشيخ يوسف ان الداعية الاسلامي الكبير الشيخ محمد الغزالي قد استقبل ما قلته بشان الزيادة والمضاعفة استقبالا حسنا وأكد لي انه استدلال يستحق النظر والاهتمام وهذا ما كتبه بخط يده الكريمة على البحث ولا اعتقد على رجلا له مكانة الشيخ الغزالي كان بحاجة ان يجاملني /// بل ان شيخنا الجليل الشيخ يوسف تعمد في خطبته الطويلة ان يتجاهل ذكر الشيخ الغزالي وتأييده لفتوة شيخ الأزهر والمعارضين لتحريم الفوائد.
وما قلته عن موضوع الزيادة المضاعفة قائم على ادلة ثابتة من القرآن والسنة وفي ذلك القول الفصل ولا يضيرني بعد ذلك ما جاء في شرح القاموس تاج العروس .. بل ان معنى الربا في مختار الصحاح كما قال الشيخ لا يفيد معنى الزيادة فقط بل كما قال ربا بمعنى زاد ونما وعلا أي انه ليس زيادة فقط ومع ذلك فليسمح لي القراء ان اشرح لهم وجه نظري في تعريف الربا ولقد وجدت من تفسير آيات القرآن ان لفظ الزيادة باللغة العربية لا يشير الا الى ارتفاع محدود في القيمة وضربت لذلك أمثله. ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعة سورة الكهف، وارسلناه الى مائة الف او يزيدون سورة الصافات، ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير سورة يوسف. في جميع هذه الامثلة الزيادة هنا نسبة محدودة على الاصل .. وعندما يكون هناك ارتفاع كبير في القيمة يصل الى مائة بالمئة او اكثر فان المولى لا يستعمل لفظ الزيادة وانما يستخدم لفظ الضعف او المضاعفة بدون كلمة زيادة ومن ذلك .. وقالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار سورة الاحزاب او يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا سورة الفرقان .
وقد تتبعت مدلول لفظ الربا في القرآن والسنة فوجدته يشير الى المضاعفة وليس الى الزيادة كما تقول بذلك معاجم اللغة.. وضربت لذلك امثله منها يمحق الله الربا ويربي الصدقات، هنا يربي بمعني يضاعف لان ثواب الصدقة مضاعف : انظر في ذلك قوله تعالى ان تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه اجرا عظيما، وقوله تعالى المصدقين والمصدقات واقرضوا الله قرضاً حسنا يضاعف لهم، وقوله تعالى اخذناه اخذة رابية ليس معناه زائدة بل مضاعفة وقوية وذاك هو الوصف الذي تستحقه حادثة انشقاق البحر وابتلاعه لفرعون وجنوده..
والامثلة بعد ذلك كثيرة على هذا الاستدلال وذلك يؤكد ان الربا الذي حرمه القرآن هو ربا الضعف الواحد بل انه في مرحلة سابقة كان اضعافا مضاعفة وانتهي ذلك بنزول الآية 130 من سورة ال عمران يا ايها الذين امنوا لا تاكلو الربا اضعافا مضاعفة.
وخلاصة الرأي ان الفوائد البنكية ليست هي الربا الذي حرمه القرآن لما فيه من ظلم بين وشديد وقد قلت في مقاله سابقة ان الحلال بين والحرام بين وان الفوائد هي الحلال والربا المضاعف هو الحرام .وقلت ان نسبة الفوائد تتوقف على معدلات التضخم في أي بلد فهي لا تزيد عن 12 في المائة في قطر وتصل الى أكثر من 20 في المائة في مصر واكثر من ذلك في لبنان وتصل الى 50 بالمائة بالبرازيل وانه اذا زادت المعدلات عن المعدل فإنها تدخل في دائرة الشبهات الذي نبه الحديث الشريف عن الوقوع فيه ..
7. قال الشيخ الجليل ان القول بعدم تحديد الربح مقدما مأخوذ من قول احد الفقهاء السابقين عن اجماع الامة على هذا الأمر وبالقياس عن حديث المزارعة الذي نهي فيه الرسول الكريم عن اخذ عائد قطعة معينة من الارض مع تدعيم هذا القياس بقول ابن قدامه المزارعة مثل المضاربة .. وقد فندت قبل هذه الاستدلالات في مقالات سابقة واثبت ان ما ينطبق على المزارعة لا ينطبق على القروض البنكية، بل ان شيخنا الجليل يتناقض في ذلك مع نفسه فهو قد قال في أول الخطبة ان اعمال البنوك ليست من قبيل المضاربة فكيف يقيس عليها الآن ها هو من غير جنسها !!
8. اخيرا ذكر الشيخ الجليل حديث يأتي زمان على الناس لا يبقي فيه أحد الاواكل الربا فإن لم يأكله طاله غباره .. واستشهد بذلك على ان شيوع البنوك التجارية في العالم هو الربا الذي اشار اليه الحديث .. واقول لشيخنا الجليل .. اذا كنا في الزمن الذي يتحدث عنه الحديث فمعنى ذلك ان الجميع يأكل الربا بدون استثناء سواء من يتعامل مع البنوك التجارية او الاسلامية لان نص الحديث يقول لا يبقي احد الا واكل الربا .. وقد كان للشيخ رأي آخر في احاديث اخرى فقال انها تتحدث عن ربا البيوع .. فماذا لا يكون الحديث هنا عن معاملات البيوع وليس عن ربا النسيئة.
كلمة اخيرة اقولها لشيخنا الجليل الدكتور يوسف القرضاوي وهي ان موقفه في موضوع الفوائد والبنوك يختلف تماما عن مواقفه الوسطية المعروفة في القضايا الأخرى وهو قد اخذ رأيا منذ اربعين سنة كما يقول ويرفض التراجع عنه أو التحاور مع الذين لديهم آراء جديدة حتى بعد ان تبين له ان اكبر علماء الامة في العصر الحديث وهو الشيخ محمد الغزالي رحمه الله قد وافق مع مع الفريق القائل بعدم التحريم، ناهيك عن مواقف شيخ الازهر ومن معه من العلماء والفقهاء ولم نسمع حتى الان ان فقهاء الازهر او مشايخه المحدثين قد اعترضوا على قول رئيسهم بل ساعدوه وابدوه ومن ذلك مفتي مصر الحالي الشيخ نصر فريد ..
ويظل مع ذلك للشيخ الجليل يوسف القرضاوي احترامه الكبير في نفوسنا جميعا لتاريخه المشرف ونضاله المشهود من اجل نصرة الحق واعلاء كلمة المسلمين.