الأرشيف الشهري: أغسطس 2002

قانون الصناديق الاستثمارية وانعكاساته على السوق (2-2)

كان حديثنا في الجزء الأول من هذا المقال عن صناديق الاستثمار التي صدر بشأنها القانون رقم 25 لسنة 2002م، والذي جاء اضافة هامة لأدوات استثمار المدخرات المحلية .. وشكل بالتالي محطة هامةً في التاريخ الاقتصادي القطري ، بنفس القدر الذي شكله إنشاء سوق الدوحة للأوراق المالية عام 1997م .. فإذا كان السوق قد وفر الآلية التي يمكن من خلالها بيع وشراء الأسهم المحلية تحت مظلة القانون ، فإن قانون الصناديق الاستثمارية يفتح باباً واسعاً لمدخرات غير القطريين وخاصة المقيمين منهم في قطر والدول الخليجية المجاورة. وإذا كانت السوق القطرية سوقا واعدة انطلاقاً من توافر عناصر النجاح فيها لأي استثمار مدروس ، فإن من المؤمل أن تحقق الصناديق الاستثمارية عوائد مالية مربحة تزيد عن ثلاثة أو أربعة أمثال المعدل الحالي للفائدة على الريال أي 7 – 8% على معدل سنوي. ولكن كيف تتحقق هذه المعدلات المرتفعة نسبياً مقارنةً بالمعدلات السائدة على الودائع؟
لنفترض أن إحدى الشركات المالية أو البنوك قد قررت بعد دراسة الأوضاع في سوق الدوحة للأوراق المالية تدشين أول صندوق استثماري لها تحت اسم الظافر (1) برأسمال 20 مليون ريال موزعة على 2 مليون حصة قيمة كل حصة عشرة ريالات ..ومن ثم تقوم ادارة الصندوق باستثمار حصيلة العشرين مليوناً في شراء توليفة من أسهم الشركات القطرية المتاحة في السوق وقفاً لمستويات سعرية محددة وفي تواريخ معينة .. فالمعروف لدى العارفين ببواطن الأمور أن أسعار الأسهم تتحرك صعوداً أو هبوطاً في مواسم معينة وتتأثر إلى جانب ذلك بالمعطيات السائدة في السوق من حيث حجم السيولة وعدد المتعاملين ومستويات أسعار الأسهم ..إلخ. ويكون لدى إدارة الصندوق خيار ايداع الأموال في البنوك طالما ظلت غير مستغلة للحصول على ايرادات اضافية بما يضمن تغطية المصاريف. وسيكون بالامكان ادراج حصص الظافر (1) ضمن سوق الدوحة للأوراق المالية لتداول تلك الحصص في ما يعرف بالسوق الثانوي ، أي بيعها وشرائها. ومن المتوقع لذلك أن تتغير قيمة تلك الحصص وفقاً لحجم الطلب عليها والمعروض منها ، فإذا زاد الطلب ارتفعت أسعارها ويحدث العكس إذا انخفض الطلب أو زاد العرض. ويتحدد العرض والطلب وفقاً للنتائج التي يحققها السوق والتي يفترض أن تكون معلنة بشكل دوري حتى يستطيع مالكو الحصص تقييم استثماراتهم أولاً بأول.
وإذا ما نجحت تجربة اطلاق الصندوق الأول فإن بامكان نفس الشركة تأسيس صندوق آخر باسم الظافر (2) إذا رأت أن حجم الطلب على الحصص يفوق المعروض منها في السوق. وقد أتاح القانون للبنوك والشركات المالية التنويع في إنشاء الصناديق ، فإلى جانب صناديق الأسهم المحلية نجد أن هناك الصناديق العقارية والصناديق المالية الأجنبية التي يتم توظيف حصيلتها في أسهم وسندات أجنبية ، ويحتاح الأمر في هذه الحالة إلى خبرات عالية ومهارات فائقة لادارة استثمارات الصندوق.
على أن الاستثمار العقاري المحلي يظل من المجالات الهامة التي يمكن أن تحقق نقلة نوعية على صعيد البناء العمراني في مدينة الدوحة والمدن القطرية الأخرى .. حيث من المتصور أن يؤدي تجميع المدخرات إلى بناء المزيد من المجمعات والأبراج السكنية والمكاتب ليتم بيعها أو تأجيرها بما يحقق عوائد جيدة. وفي حالات أخرى قد يتم انشاء صندوق عقاري خاص لبناء برج سكني مع اعطاء أصحاب الحصص حق السكنى مجاناً لمدة عمر الصندوق وليكن 15 إلى 20 سنة،وفي نهاية المدة يتم بيع العقار بعد ترميمه ويتم اقتسام الثمن بين أصحاب الحصص وادارة الصندوق بنسب معينة مع الأخذ بعين الاعتبار أن تكلفة البناء تتضمن عائداً أولياً لادارة الصندوق مقابل القيام بالمشروع والاشراف عليه. والأفكار في هذا المجال كثيرة وقد يجد بعضها طريقه للتنفيذ خلال السنوات القادمة.

قانون الصناديق الاستثمارية وانعكاساته على السوق (1-2)

يشكل صدور قانون الصناديق الاستثمارية منعطفاً هاماً نحو تعزيز فرص الاستثمارات المحلية في قطر في وقت ضاقت فيه المجالات المفتوحة لتحقيق عائد مجزٍ بعد انخفاض معدلات الفائدة على الودائع إلى أدنى مستوى لها ، وبعد أن اكتوى المستثمرون بنار الاستثمار في شركات المدينة وأخواتها من التقوى إلى البركة .. والقانون الجديد يخول الشركات المتخصصة في مجال الاستثمار – سواء كانت بنوكاً أو شركات مالية – إنشاء صناديق استثمارية لتوظيف الأموال المكتتبة أو المتجمعة في كل صندوق في شراء وبيع الأسهم المحلية والأجنبية بما يحقق عوائد مالية مرتفعة تفوق ما يمكن الحصول عليه من الفرص الأخرى المتاحة للمستثمر مثل الودائع البنكية.
الجدير بالذكر أن ارتفاع أسعار الأسهم المحلية خلال السبعة عشر شهراً الماضية قد جذب إلى سوق الدوحة للأوراق المالية أعداداً لا بأس بها من المستثمرين الراغبين في الاستفادة من الفرص المتاحة في السوق ، وقد حقق البعض منهم أرباحاً جيدةً نظراً لأن السوق ظلت بوجه عام في حالة صعود دائم باستثناء فترات محدودة خلال تلك الفترة .. وفي المقابل ، وجد البعض الآخر أنه لم يحقق الأرباح المرجوة أو أنه قد أصاب بعض الخسائر من أسهم انخفضت أسعارها ، أو أن أمواله تجمدت في أسهم لم تتحرك أسعارها على نحو يغطي عمولات الشراء والبيع .. ولأن التعامل في السوق يحتاج إلى خبرة ودراية بقواعد السوق وفنون المضاربة ويتطلب متابعة لأخبار الشركات وفهماً لأوضاعها ومراكزها المالية ، فإن الشركات المتخصصة تكون أقدر من كثير من الأفراد على تحقيق أرباح جيدة أو على تفادي حدوث خسائر. ومن هنا جاء حرص الحكومة القطرية ممثلة بوزارة الاقتصاد والتجارة ومصرف قطر المركزي على صدور قانون الصناديق الاستثمارية ، ليفتح المجال أمام الراغبين في استثمار فوائض أموالهم محلياً بما يحقق لهم عوائد أفضل.
ويفيد القانون الجديد غير القطريين الذي تحول القوانين الحالية دون امتلاكهم للأسهم القطرية باستنثاء أسهم شركة اتصالات وشركة السلام للاستثمار. والاستثمار في الصناديق مأمون ومكفول لأنه يتم باشراف ورقابة الجهات الحكومية الممثلة بمصرف قطر المركزي وسوق الدوحة للأوراق المالية ووزارة الاقتصاد والتجارة ، وبالتالي فلن تتعرض الأموال للضياع والسرقة أو الخسارة الكاملة كما حدث لشركات توظيف الأموال .. ومن المفترض أن تكون لكل صندوق قيمة اسمية للحصة الواحدة فيه ، وتتغير هذه القيمة بالزيادة أو بالنقص حسب الأرباح أو الخسائر المتحققة على العمليات التي يديرها فريق عمل متخصص .. ويتم الاعلان عن قيمة الصندوق أسبوعياً أو شهرياً بحيث يعرف المستثمر مقدار ربحه أو خسارته في أي وقت.. وبقدر ما يكون لدى فريق العمل خبرة في مجال العمل الاستثماري بقدر ما يحقق الصندون نتائج أفضل للمشاركين فيه ، ومن هنا فإن النتائج التي سيُعلن عنها في السنة الأولى ستكون حاسمة في اشهار صناديق بعينها ورفع مكانة الشركات التي تديرها ، وذلك بالقدر الذي قد تفشل فيه صناديق أخرى ، أو لا تحقق النتائج المرجوة على أقل تقدير.
وسوف يؤدي نجاح الصناديق الاستثمارية في قطر إلى نتائج مهمة على صعيد توظيف المدخرات محلياً وجذب أموال من دول المنطقة ، كما قد يترتب على انشاء الصناديق حدوث ارتفاع ملحوظ في أسعار الأسهم المحلية ومن ثم ، يحدث تأرجح في الأسعار صعوداً وهبوطاً بشكل لم تعتاده السوق نتيجة للزخم الكبير الذي ستتصف به عمليات الشراء والبيع من جانب الصناديق. ومن المنتظر أيضاً أن يؤدي نجاح تجربة الصناديق إلى انشاء المزيد من الشركات المساهمة بحيث قد يتضاعف عدد الشركات المدرجة في السوق في غضون سبع سنوات ، خاصة اذا ما أقدمت الحكومة على التوسع في برنامج الخصخصة.

دعوة بعض البنوك لاحترام العملاء

كان من خلاصة ما تحدثت عنه في المتابعتين السابقتين أن معدلات الفائدة على الودائع مرشحة لأن تظل في عام 2002م عند أدنى مستوى لها وهو ما يصل بالكاد إلى 2% ، وربما إلى 2.5% في بعض الحالات ليغطى بذلك فريضة زكاة الأموال. وأشرت إلى أن الفائدة على القروض يجب بالتالي أن تنخفض إلى ما بين 5.5 – 9.9% ولا تزيد ، باعتبار أن هامش ربح 7% فوق معدل فائدة الودائع كافٍ لتحقيق أرباح جيدة لأي بنك ، وأن زيادتها عن ذلك هو نوع من الاستغلال لأصحاب الحاجات الذين لا يكون لديهم في الغالب القدرة على المناورة ، ومن ثم تحميلهم فوق طاقتهم .. وغالباً ما تؤدي معدلات الفائدة العالية إلى اعسار المقترض وعدم قدرته على السداد خاصة في الحالات التي تطول فيها سنوات القرض وتكون الأقساط محدودة إذا ما قورنت بالمبلغ المقترض. وإذا ما أضفنا إلى ذلك اشتداد حدة المنافسة في الشهور الأخيرة في حقل التجارة ، بسبب كثرة الأسواق والمعارض ، وتراجع سعر الريال أمام العملات الأوروبية واليابانية ، فإن النتيجة المنطقية لذلك كله هو ازدياد الضغوط على المقترضين مما يستوجب من البنوك خفض معدلات الفائدة على القروض بوجه عام حتى تساهم في تنشيط القطاع الخاص والتيسير على الناس.

إن على ادارات البنوك مسؤولية كبيرة في الارتقاء بالخدمات المصرفية والاهتمام بتطوير علاقاتها بالعملاء كماً وكيفاً .. وإذا كانت الدعوة لخفض معدلات الفائدة على القروض هي أحد أوجه تلك الدعوة ، فإن لهذا الموضوع جوانب أخرى عديدة لعل في مقدمتها احترام البنوك لعملائها. وفي هذا المجال يمكننا الاشارة إلى العديد من الممارسات الخاطئة التي تقع من بعض البنوك المحلية وتؤثر سلباً على علاقاتها بالعملاء وسأضرب لذلك أمثلة:
1. قرر قسم الفيزا في أحد البنوك المحلية وبشكل مفاجئ ايقاف صلاحية بطاقات الفيزا الصادرة عنه في الدفع دولياً عبر الهاتف أو الانترنت بهدف حمـاية أصـحاب البطاقات من أعمال النصب والاحتيال ، ولأن البنك لم يخطر عملائه بهذه الخطوة فإن البعض منهم قد تضررت مصالحه ووجد نفسه مطالب بدفع غرامات مالية.
2. نفس القسم المشار إليه أعلاه قرر – دون اخطار العملاء – رفع الحد الأدنى لعمولة السحب من الصراف الآلي بالفيزا إلى 20 ريال .. والنتيجة أن من سحب 300 ريال على ثلاث مرات ، بواقع 100 ريال كل مرة أن دفع عمولة 60 ريالاً ، ولو أنه سحب المبلغ مرة واحدة لدفع 20 ريالاً فقط ..
3. بنك آخر خصم على احدى الشركات مبلغ 150 ريال غرامة شيك مرجع رغم أن قيمة الشيك كانت 181 ريال لكيوتل .. ولم يكلف موظف البنك نفسه الاتصال بالشركة المعنية للتنبيه كما تقول تعليمات مصرف قطر المركزي بذلك .. وبعد شكوى لنائب مدير البنك ، تفضل مشكوراً باعادة الـ 150 ريال للحساب.
4. اشتكى أحد العملاء من أنه عندما ذهب إلى أحد البنوك للتفاوض حول شروط ايداع مبلغ لدى البنك ، فإنه لم يجد اهتماماً من المسؤولين هناك بموضوع السرية ، واضطر أن يبحث في التفاصيل أمام أشخاص آخرين مما سبب له بعض الحرج ، فكان أن قرر صرف النظر عن التعامل مع ذلك البنك وخرج إلى بنك مجاور ، ولكنه لشدة دهشته وجد أن الأمر هناك لا يختلف عن البنك الأول ..

هل تنخفض معدلات الفائدة المصرفية؟ (2-2)

في الجزء الأول من المقال ، وتحت نفس العنوان هل تنخفض معدلات الفائدة المصرفية؟ ، بدأت بالحديث عن معدلات الفائدة على الودائع بالريال وأوضحت كيف أنها لا تزال تتراجع نتيجة توفر السيولة في الجهاز المصرفي القطري ، وأنه في حين كان سعر فائدة مصرف قطر المركزي في بداية السنة عند مستوى 2.50% ، فإنه قد انخفض في شهر أغسطس إلى مستوى 2.20% .. وهكذا كان الوجه الأول للسؤال يخص معدلات الفائدة على الودائع بالريال ، ومن ثم كان الجواب بأن هذه المعدلات مرشحة لمزيد من الانخفاض في النصف الثاني من العام 2002م.

ثم تطرقت بعد ذلك إلى الفائدة المصرفية على الدولار باعتبار أن الدولار هو العملة الرئيسية الأولى في العالم ، ولكون سعر صرف الريال مرتبطاً بالدولار ، علاوة على أن لجنة السوق المفتوحة لدى بنك الاحتياط الفدرالي (أي البنك المركزي الأمريكي) كات تجتمع مساء الثلاثاء الماضي في جلسة مراجعة للسياسة النقدية ، وكان التساؤل المطروح على اللجنة هو ما إذا كان من الواجب خفض سعر الفائدة على الدولار أم لا؟ وقد كان هذا التساؤل في ذهني أيضاً وأنا أكتب العنوان هل تنخفض أسعار الفائدة المصرفية؟ فكأنني قصدت بالعنوان التلميح إلى أن معدلات الفائدة على الدولار باتت مرشحة لخفض جديد إن لم يكن في جلسة الثلاثاء في الأسبوع الماضي فلربما في الجلسة التالية بعد شهرين. وقد انتهت الجلسة المشار إليها بالابقاء على معدل الفائدة الاتحادية بدون تغيير عند مستوى 1.75% ، مع إشارة من اللجنة إلى أن ما يقلق المسؤولين في بنك الاحتياط في هذه المرحلة هو تباطؤ النمو الاقتصادي وليس التضخم ، وذلك يعني إمكانية تخفيض المعدلات إذا ما ظلت البيانات الاقتصادية ضعيفة في الأسابيع السبعة القادمة.

على أن التساؤل في العنوان لم يكن ليقف عند الوجهين المشار إليهما أعلاه وإنما امتد إلى وجه ثالث يحظى اليوم باهتمامات واسعة من جمهور عريض في كافة القطاعات الاقتصادية المحلية ، والسؤال في وجهه الثالث قد تلخص في ما إذا كانت معدلات الفائدة على القروض ستنخفض أم لا.. وقد أشرت في الجزء الأول من المقال إلى أن هذه المعدلات قد انخفضت في عام 2002 مقارنة بما كانت عليه في عام 2001 ، ولكن انخفاضها كان محدوداً بحيث لا يزال هنالك من يدفع ما بين 10 – 13% على قروض الرواتب التي يفترض أنها مضمونة بالراتب وما يسنده من مكافآت نهاية الخدمة. وقد تصادف أن نُشر الجزء الأول من المقال مع تحقيق صحفي عن نفس الموضوع مع عدد من كبار المسؤولين في البنوك ، وبدلاً من أن يعد المسؤولون بخفض المعدلات كما جرت العادة في مقابلات سابقة ، فإن البعض منهم قد ذهب للدفاع عن تلك المعدلات المرتفعة بالقول إن المقترضين ينفقون أموالهم على الكماليات ، وإن المعدلات العالية رادع لهم للحد من تلك التصرفات. وقال آخر بأن بنكه لا يتقاضى الآن أكثر من 9% على أي قرض.

وفي حين أن الرد الاول لم يكن مقنعاً باعتبار أن البنك غير وصي على تصرفات العملاء ، وأن بإمكان البنك رفض طلبات القروض غير المأمونة ، فإن الرد الثاني لم يكن صحيحاً على الإطلاق ، وأدعو صاحبه لمراجعة المعدلات في البنك الذي يعمل فيه ليكتشف أنها تزيد في المتوسط عن 11% سنوياً ، وهو ما يظهر بوضوح من أرقام ميزانية البنك المنشورة خلال الأسبوع الماضي.

إن من المسلم به أن تتفاوت معدلات الفائدةعلى القروض ما بين عميل وآخر حسب ملاءة كل عميل وقدرته على السداد والضمانات المقدمة للبنك في مقابل القرض ، ومن المتصور لذلك أن تتراوح تلك المعدلات ما بين 5.5 – 9.5% على أكثر تقدير وذلك ما سيساعد في تخفيف أعباء التمويل عن المقترضين فيتمكنون من تحقيق مكاسب في مشاريعهم بما يعينهم على السداد دونما حاجة إلى تخصيص مئات الملايين من الريالات سنوياً في مقابل القروض الضعيفة والمشكوك منها.

هل تنخفض معدلات الفائدة المصرفية؟

يجد أصحاب الودائع المصرفية أنفسهم في مأزق حقيقي بعد أن انخفضت الفوائد على تلك الودائع إلى مستويات غير مسبوقة . وحتى عام 2000م كان من لديه وديعة مصرفية مائة ألف ريال يتحصل في نهاية العام على عائد يتراوح ما بين 6000 إلى 8000 ريال ، ومن كان لديه مائة ألف دولار يتحصل على ما يقارب 23 ألف ريال في السنة.. وكان هذا العائد يساعد البعض على مواجهة جانب من تكاليف الحياة كرسوم الجامعة للأبناء أو نفقات علاج المرضى ، أو في تغطية مصاريف الاجازة السنوية أو حتى في التبرع والتصدق على أوجه من وجوه الخير الكثيرة.
وقد انخفضت معدلات الفائدة على الودائع ووصلت مع نهاية عام 2001م إلى أدنى مستوى لها في التاريخ القطري ، وفي حين كان البعض يظن أن المعدلات مرشحة للارتفاع في النصف الثاني من العام 2002م ، فإن ما حصل هو العكس حيث تراجعت تلك المعدلات بعد أن خفض مصرف قطر المركزي سعر المصرف عدة مرات خلال الشهور الماضية ليصل السعر إلى 2.20% بدلاً من 2.50%. وهذا التخفيض من جانب المصرف المركزي لا يأتي من فراغ وانما هو نتيجة حتمية لزيادة حجم السيولة المتاحة لدى الجهاز المصرفي.. ولا ننسى أن معدلات الفائدة على الدولار قد هبطت إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من 40 سنة حيث وصل سعر الفائدة الاتحادية للاقتراض بين البنوك في الولايات المتحدة لليلة واحدة إلى مستوى 1.75% منذ نهاية عام 2001م ، وبات من المنتظر حدوث المزيد من التخفيض على هذا المعدل إلى مستوى 1.50% أو أكثر.
وكان الاقتصاد الأمريكي قد تباطأ بشدة في الربع الثاني ونما بمعدل 1.1% على معدل سنوي ، في وقت تدهورت فيه أسعار الأسهم الأمريكية بشدة وتراجعت ثقة المستهلكين إلى المستوى الذي كانت عليه بعد أحداث 11 سبتمبر ، وازداد العجز التجاري الامريكي إلى مستويات غير مسبوقة وانخفض سعر صرف الدولار أمام العملات الرئيسية. ومن هنا عاد الحديث مجدداً عن احتمال اقدام بنك الاحتياط الفيدرالي على اجراء خفض جديد على سعر الفائدة الاتحادية عند انعقاد لجنة السوق المفتوحة مساء أمس الثلاثاء ، وهو اجتماع يحدث لمراجعة السياسة النقدية مرة كل شهرين.
وهذا التخفيض المنتظر على معدلات الفائدة على الدولار لن يحل مشكلة التباطؤ في الاقتصاد الامريكي ، مثلما لم تنجح سياسة الفائدة الصفرية في اليابان لعدة سنوات في اخراج الاقتصاد الياباني من أزمة الركود.وفي حين عانى الاقتصاد الياباني من افلاس آلآف الشركات ومن الديون المعدومة لدى البنوك، فإن الاقتصاد الأمريكي يغرق الان في أزمة من نوع فريد هي أزمة الغش والاحتيال والكذب والتزوير في حسابات الشركات الكبرى ، وفي مثل هذه الظروف لن تنفع حلول السياسات النقدية بمفردها في انعاش الاقتصاد الأمريكي وانما يستلزم الأمر معالجة جذرية لأوضاع يشوبها الفساد وهو ما يستغرق وقتاً أطول.
إن معدلات الفائدة على الودائع ستظل منخفضة في الشهور الستة القادمة على الأقل، وهو ما يعني أن مداخيل الأفراد من تلك الفوائد ستظل متدنية جداً ولا تشفع في شيئ .. ولا يقتصر الأمر في ذلك على البنوك العادية بل يمتد إلى البنوك الاسلامية التي أشتكى أحد عملائها من أن عائد وديعته لا يكاد يكفي لسداد الزكاة المستحقة على الوديعة ، وأن هذا العائد لا يختلف في شئ عن عائد الودائع لدى البنوك التجارية، فرد أحد الموظفين بالقول بأن هذه تعليمات مصرف قطر المركزي. والحقيقة غيرذلك ، حيث أطلق المصرف للبنوك حرية التنافس في موضوع الفوائد ، فكان أن أخذت البنوك الأمر على النحو الذي يناسب مصالحها فخفضت الفوائد على الودائع وأبقت فوائد القروض مرتفعة إلا على من كانت لديه القدرة على المناورة والمساومة.والحقيقة أن قوى السوق لا تخدم في هذا الموضوع إلا البنوك التي هي الطرف الأقوى في جانب القروض ،وتتلاشى قوة المودعين في مواجهة البنوك التي تتمتع بوضع شبه إحتكاري وتساعدها الظروف الدولية على ذلك.
ويبدو من الميزانية العمومية لأحد البنوك لفترة الشهور الستة الأولى من العام 2002م أن ما دفعه البنك للعملاء على ودائعهم قد انخفض إلى نصف ما دفعه في نفس الفترة من العام السابق ..حيث دفع البنك مبلغ 69.9 مليون ريال هذا العام مقابل 138.2 مليون ريال في نفس الفترة من عام 2001م ، وذلك رغم زيادة الودائع لديه إلى 6 مليار ريال مقارنة بـ 4.5 مليار في العام الماضي .. ولم تنخفض متحصلات البنك من فوائد القروض عما حصل عليه في العام الماضي إلا بشكل محدود جداً (226 مليون مقارنة بـ 235 مليون ريال) ، وذلك نظراً لأن معدلات فائدة الاقراض ظلت مرتفعة، وبالنتيجة حقق البنك زيادة في أرباحه الاجمالية بنسبة 59.3% خلال الفترة المشار إليها!!!.
هذه الزيادة الكبيرة في الأرباح غير صحية إذا ما نظرنا إليها من زاوية الاقتصاد القطري بوجه عام لأنها تمت على حساب قطاعات الاقتصاد الأخرى التي دفعت أكثر مما ينبغي فكان أن أعسر الكثير من المقترضين وأضطر البنك المعني لإقتراح تخصيص مبلغ 77 مليون ريال من ارباحه في ستة شهور كمخصص قروض ضعيفة مقابل 100 مليون ريال خصصها لنفس الغاية في عام 2001 ككل ، وللحديث بقية.

ما أحلى الاستثمارات المحلية ، لولا المحاذير السياسية

رغم حرارة الصيف اللافحة من حولنا في الأيام الأولى من أغسطس ، ورغم قسوة المناخ على ساحل الخليج العربي بوجه عام ، فإن التطورات المتتابعة والمتلاحقة في محيطنا العربي تكاد لفرط سخونتها تذهب بالألباب ، ورغم الجهود التي تبذلها الفرق الاستعراضية المشاركة في برامج عجايب صيف قطر للترويح عن البشر ، فإن الابصار تظل مشدوهة .. فرحة تارة ومتألمة تارة أخرى لما يحدث في فلسطين ، وقلقة ومترقبة لما قد يصيب العراق في المستقبل الوشيك من أذى .. وفي ظل هذا الاطار العام للوضع السياسي المعقد في منطقة الشرق الأوسط ، تتابع التطورات الاقتصادية محلياً ودولياً.
وأهم ما يلفت الانتباه على الصعيد المحلي استمرار ارتفاع أسعار الأسهم المحلية وإن بشكل تدريجي ، بعد الاعلان عن أرباح جيدة لبعض الشركات في النصف الأول من العام ، فقد أعلنت شركة اتصالات عن تحقيق أرباح جيدة بلغت 518.6 مليون ريال بزيادة 18.5% عن نفس الفترة من العام الماضي .. وقد تمكنت الشركة بفضل ذلك من الاعلان عن توزيع أرباح بنسبة 28% عن النصف الأول من العام .. هذا الاعلان وما يمثله توزيع الأرباح من ضخ للسيولة في السوق المحلي قد يؤدي إلى مواصلة ارتفاع أسعار الأسهم في الأسابيع القادمة .. ومما يعزز هذا الاتجاه أن معدلات الفائدة على الدولار – ومثلها على الريال – مرشحة للبقاء متدنية لفترة تزيد عن ستة شهور أخرى ، بل أن خفضاً جديداً على معدلات الفائدة بات متوقعاً في ظل معدل النمو المتواضع الذي أصابه الاقتصاد الأمريكي في الربع الثاني من العام والذي بلغ 1.1% على معدل سنوي ..
ولقد كانت أرباح البنوك القطرية جيدة في النصف الأول من العام مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي ، وذلك أمر طبيعي في ظل الفارق الكبير بين معدلات الفائدة على الودائع وفوائد القروض في ظل قرار تحرير أسعار الفائدة الذي أنصف البنوك وعزز مكاسبها ومراكزها المالية على حساب الاقتصاد والعباد .. ولم تكن أرباح كل الشركات المساهمة جيدة ، فقد تراجعت بشدة ايرادات تشغيل الشركة القطرية للنقل البحري ، ورغم الزيادة الملحوظة في ايراداتها من الاستثمار ، فإن ربح السهم الواحد عن النصف الأول من العام قد انخفض إلى النصف تقريباً .. ومع ذلك فإن هذا العائد على السهم يظل أفضل بكثير من العائد المحتمل على الودائع المصرفية.
وكما أسلفت في مقالات سابقة فإن بدائل الاستثمار الأخرى تكاد تكون محدودة حيث يستمر مسلسل تراجع أسعار الأسهم العالمية بشكل مخيف ولا تنصح أحداً بمجرد التفكير في استثمار أمواله خارجياً في المرحلة الراهنة ، ليس لدواعي الأمان وتجنب المخاطر المنتظرة فحسب وانما لاعتبارات وطنية تمليها عليه واجبات دعم الاستثمار المحلي والعربي والاسلامي بأشكاله المختلفة ، وضرورة مقاطعة كل من يعادينا ويعمل ضد مصالحنا. ومما لا شك فيه أن الاستثمار المحلي في مجال العقارات قد أصبح جذاباً ومربحاً ، وارتفعت أسعار الأراضي في مدينة الدوحة بشكل واضح خلال هذا العام. والخلاصة أن الاعتبارات الاقتصادية والوطنية ترجح تعزيز الاستثمارات المحلية وتعمل باتجاه ارتفاع أسعار الأسهم والعقارات خلال النصف الثاني من العام ، مع التنبيه إلى أن انفجار الأوضاع عسكرياً في منطقة الشرق الأوسط وخاصة ما يحدث في فلسطين وما قد يحدث في العراق قد يؤثران سلباً على تلك الاستثمارات.