الأرشيف الشهري: يناير 2003

البلدية والمعايير الملائمة للشقق السكنية

البحث عن شقة مناسبة في مدينة الدوحة لا يقل صعوبة عن البحث عن وظيفة مناسبة ، فإذا كان خريج الجامعة يقبل بوظيفة يتراوح راتبها بين 3000 – 5000 ريال شهرياً ، فإنه بحاجة إلى زوجة موظفة في الغالب كي تعينه على استئجار شقة في حدود 2000 ريال شهرياً.
المعروف أن متوسط الانفاق على السكن وملحقاته يشكل 25% من ميزانية الأسرة .. ولقد ارتفعت إيجارات العقارات في عام 2002 بما نسبته 13 بالمائة في المتوسط ، ومع ذلك لم تكن تلك المشكلة الوحيدة في موضوع استئجار شقة ، وإنما إمكانية الحصول على شقة مناسبة سواء من حيث مساحة الشقة أو موقعها في أحياء الدوحة ، وفي مدى قربها أو بعدها من الخدمات الأساسية ، فضلاً عما إذا كانت الشقة في عمارة جديدة أم قديمة ، وإذا كانت قديمة .. هل بقيت على حالها أما أُعيد ترميمها.
وإذا كانت الشقق القديمة المبنية في سنوات الثمانينيات تتميز باتساع مساحاتها نسبياً ، فإن الظاهرة الجديدة في العمارات السكنية هذه الأيام هي في ضيق مساحتها بحيث لا يزيد مساحة الشقة الواحدة في كثير من الأحيان عن 100 متر مربع ، مع صغر مساحة غرف النوم إلى مستوى غير معقول. وإذا كان ذلك الأمر مقبولاً إلى حد ما في شقق العزاب ، فإنه ليس كذلك في حالة الشقق العائلية التي يُفترض فيها وجود مساحة كافية بين الغرف لحركة الأطفال ولعبهم ، مع اتساع غرف النوم بما لا يقل عن 16 متراً مربعاً. ولقد وصل الأمر ببعض الباحثين عن شقة جديدة هذه الأيام إلى تفضيل السكنى في شقة قديمة أُعيد ترميمها بدلاً من القبول بشقق جديدة ومساحات أقل.
إن من المسلم به منذ ما يزيد عن عام أن الاستثمار في مجال العقارات هو أحد أفضل الاستثمارات وأكثرها أماناً ، ويحظى لذلك بإقبال عدد متزايد من المستثمرين عليه ، ولكن يجب ألا يكون العائد المادي السريع هو الفيصل في موضوع الاستثمار العقاري ، ولابد من وضع معايير مقبولة عند منح تراخيص البناء للعمارات السكنية ، وخاصة في ما يتعلق بمساحات الغرف حتى لا تكون العمارات الجديدة مجرد كتل خرسانة قليلة الفائدة سرعان ما يهجرها ساكنوها عند أول ارتفاع في مستويات دخولهم.وإن الإهتمام بالمعايير الملائمة للشقق السكنية لا ينبع من الحرص على راحة المستأجر فقط وإنما هو لمصلحة المؤجر في الأجل الطويل إذا ما أخذنا بعين الإعتبار استقرار تأجير الشقة وعدم تعرضها للإخلاء المتكرر ما بين سنة وأخرى .وإذا ما تلاقت مصلحة الموجر والمستأجر معاً فإن ذلك يكون في صالح الوطن .
إن على البلدية أن تضع المعايير المناسبة لهذا الموضوع مثلما تضع كل الجهات الحكومية معايير مناسبة للأمن والسلامة في مواصفات السلع والخدمات المختلفة ، وعلى سبيل المثال إذا كان طلب الرخصة يحتوي على بناء 6 شقق بواقع 3 في كل طابق ، فقد يكون من الأجدى والأنسب التصريح ببناء الست شقق على ثلاثة طوابق لإعطاء كل منها مساحة أكبر ، أو التصريح ببناء أربع شقق فقط على طابقين.
وقد يكون من الضروري التوصية أيضاً بأن يخضع نشاط تأجير الشقق لإشراف البلدية ، بحيث يتم التأكير على إعادة ترميم الشقق القديمة قبل إعادة تأجيرها بما في ذلك بياض الشقة أو إصلاح أنابيب المياه والمرافق الصحية فيها ، فضلاً عن عمليات الصيانة الأخرى للأسقف والجدران.

أرباح البنوك بين المعقول واللامعقول

أن تنمو أرباح أي بنك بنسبة 15-25% سنوياً فذلك أمر متوقع إذا ما تصورنا الزيادة المحتملة في حجم الودائع وعمليات الائتمان والأنشطة الاستثمارية ، وفي إمكانية حدوث خفض ملموس في مصروفات البنك على ضوء التطوير المستمر للتكنولوجيا المصرفية. ولكن أن يحقق أي بنك زيادة في أرباحه بأكثر من ذلك وبنسب قد تزيد عن 50% في سنة واحدة ، وأن يكون ذلك بعد زيادات كبيرة في السنة السابقة أيضاً ، فذلك ما لا يمكن تصور حدوثه في ظل الظروف الاعتيادية للتشغيل ، ويشير إلى أن هنالك خلل واضح في آلية عمل البنك كوسيط بين المودعين والمقترضين. وهذه الزيادة الكبيرة في أرباح سنة واحدة قد يكون لها آثار طيبة على المساهمين الذين يتمكنون من الحصول على أرباح نقدية مرتفعة غير متاحة لمجالات الاستثمار الأخرى ، فضلاً عن حدوث نمو كبير في القيمة الرأسمالية لأسهمهم تصل نسبته في بعض الحالات إلى 80% مما كانت عليه عند بداية العام. هذا الجانب الإيجابي للظاهرة يخفي في طياتة سلبيات كثيرة لا بد من أن نأخذها بعين الاعتبار ونحن نقيم نتائج اعمال البنوك ، ومن هذه السلبيات ما يلي
أولاً: أن الزيادة في الأرباح – أو جزء كبير منها على الأقل- يكون نتيجة لارتفاع كبير في معدلات فائدة الاقراض بالمقارنة بمعدلات الفائدة على الودائع, وهو يعني أن البنك قد حصل على عوائد إضافية من الناس.
ثانياً: أن هذه المعدلات المرتفعة للإقراض تضعف من معدلات نمو أنشطة القطاع الخاص وتثقلها بأقساط ديون إضافية قد تكون سبباً في إعسار الكثير منها.
ثالثاً: أن الارتفاع الكبير في أسعار أسهم البنك قد يتحول إلى تدهور إذا ما تبدلت الظروف بشكل مفاجئ ، وأنا لا أتحدث هنا عن الأمور السياسية ، ولكن أشير إلى الاعتبارات الاقتصادية فقط ، فمن شأن تغير الظروف أن تقلص قدرة أي بنك على تحقيق أرباح كبيرة ومن ثم يصبح السعر المرتفع للسهم عبئاً لا تتحمله العلاقة بين عائد السهم وقيمته السوقية فيحدث تراجع وربما انهيار في قيمة السهم في فترات لاحقه ، وذلك ما حدث مثيل له في سنوات سابقة.
رابعاً: أن الأرباح الاستثنائية التي تجنيها البنوك الآن تعمل باتجاه الضغط لإنشاء بنوك قطرية جديدة أو لافتتاح فروع لبنوك أجنبية أو عربية أو خليجية ، وذلك ما ينعكس سلباً على أنشطة البنوك القائمة حالياً والتي سرعان ما ستجد من يقاسمها الكعكة في السنوات القادمة ، خاصة في ظل اتساع دائرة الانفتاح على العالم.
خامساً: أن الأرباح الاستثنائية لأي بنك تُضعف من اندفاعه نحو التطوير والعمل على الحد من مصاريف التشغيل لرفع كفاءة العمل المصرفي بالبنك ، وذلك أمر له خطورته خاصة إذا ما تنبهنا إلى الطبيعة الاستثنائية للأرباح الكبيرة المتحققة حالياً.
الخلاصة :
ليس من الطبيعي أن تحقق البنوك قفزات كبيرة في مستويات أرباحها ما بين سنة وأخرى ، وإنما الطبيعي أن تكون هنالك مستويات مستقرة لنمو الأرباح. ولكي يتحقق ذلك لا بد أن تراجع البنوك المحلية سياساتها الإئتمانية ، وأن تعمل على خفض معدلات الفائدة على القروض (أو التمويل) إلى المستويات الطبيعية التي تكفل دوران المال في المجتمع بطريقة عادلة ، بحيث يحصل كل طرف على نصيبه العادل من هذه الدورة وبما يكفل نموالأنشطة الاقتصادية بشكل مضطرد سنة بعد أخرى.وإذا لم يتحقق ذلك فإن البنوك قد تواجه في المستقبل القريب عواقب بعض سياساتها الإئتمانية الراهنة.

هل يتوقف العلماء عند الرأي الآخر لمناقشته ؟

من المتوقع أن يناقش مجمع البحوث الفقهية بالدوحة هذا اليوم موضوع الفوائد البنكية على ضوء القرار الصادر عن مجمع الأزهر وكذا تصريحات الشيخ علي الهاشمي المستشار الديني لسمو الشيخ زايد بن سلطان بشأن عدم ربوية الفوائد البنكية. وقد أضافت سكرتارية المؤتمر إلى ملف الموضوع بحثاً من عندي يؤيد وجهة نظر الأزهر والشيخ الهاشمي ، وإن كان يقوم على استدلالات وتأويلات ومفاهيم مختلفة مع تفنيد المفاهيم التي يستند إليها الرأي القائل بحرمة الفوائد البنكية. وأرجو أن يتسع صدر العلماء الأفاضل لمناقشة الموضوع وألآ يصادروا ما جاء فيه بذريعة أن المجامع الفقهية قد أجمعت من قبل على تحريم الموضوع. فما دام هنالك من يرى أن الفوائد ليست ربا ، فإجماع الأمة غير قائم – وهولم يقم في يوم من الأيام – كما يقول بذلك علماء الأصول ، وما حدث في مؤتمرات المجامع السابقة هو اتفاق جماعة من العلماء الذين لا يمثلون بالضرورة رأي عامة الفقهاء والعلماء من المسلمين في كل مكان . وأرجو أن يتنبه العلماء الى حقيقة أن الاجتهاد في هذا الموضوع لم يغلق عند الفكر الذي يقضي بتحريم الفوائد البنكية ، كما قال بذلك العالم الجليل الشيخ محمد الغزالي رحمه الله عام 1992 تعليقاُ على النسخه الاولى من هذا البحث وانما هو مفتوح لمن يستطيع أن يقدم الدليل والحجة على ما يقول. ويركز البحث المقدم للمجمع على النقاط التالية:
1- إن ربا النسيئة أو ربا الدين أو الربا الجاهلي حرام ، وحرمته قطعية الورود وقطعية الدلالة بنصوص من القرآن الكريم وبنصوص من السنة النبوية المطهرة.
2- إن ربا النسيئة يختلف عن ربا البيوع الذي ورد في بعض أحاديث الآحاد فقط ، وهي أحاديث ظنية الدلالة فقط ، فضلاً عن أنها تخالف الحديث الصحيح الذي يؤكد قول النبي الكريم صلوات الله عليه (( إنما الربا في النسيئة )). وكان ابن عباس يفتي حتى موته بأنه لا ربا إلا في النسيئة ، أي لا ربا إلا في الربا الجاهلي استناداً إلى ذلك الحديث.
3- إنه لإجل ما تقدم في (1) و (2) فإن من غير المنطقي ترك البحث في آيات الربا الواردة في القرآن الكريم والاستناد إلى أحاديث ربا البيوع في تحديد تعريف الربا على أنه أي زيادة على رأس المال دون عوض يقابلها.
ومن يتأمل آيات أحكام الربا في القرآن الكريم سيجد أنها بالغة الدلالة في تعريف الربا على أنه الضعف. ويتضح ذلك من آية الربا في سورة الروم التي تقول (( أولئك هم المضعفون )) عند مقارنة من يتضاعف ثوابه عند الله ومن تتضاعف أمواله في أموال الناس. وفي الآية 130 من سورة آل عمران نص صريح (( لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة )) حيث كان الربا المضاعف هو واقع الحال في السنة الثالثة للهجرة عندما اضطربت أمور التجارة بسبب الغزوات . ويتضمن البحث براهين من القرآن والسنة على أن مفهوم الزيادة يختلف عن المضاعفة التي هي عين الربا.
4- إن علة تحريم الربا هي الظلم الذي ينتج عن أخذ ضعف رأس المال أو أكثر في سنة وهو ما يؤدي إلى اضطراب المعاملات ويورد الناس موارد الهلاك. ولقد اقترن النهي عن أكل الربا بالدعوة إلى تقوى الله ، وهي كلمات تقال لمن يأت ظلماً ، فهل من قائل اليوم بأن في المعاملات البنكية الحديثة أي نوع من الظلم الفاحش الذي كان ينتج عن أكل ربا الجاهلية؟
5- إن آية (( فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم )) التي فهمها الفقهاء على أنها دالة على عدم جواز أخذ أي زيادة على رأس المال، يمكن أن تفهم على نحو آخر : ذلك أن عبارة (( فلكم رؤوس أموالكم )) قائمة على شرط التوبة ، وهي تمثل حلاً لإشكالية تسوية ما تبقى من أقساط ربوية بعد التوبة ، ولكنها لا تفيد بما هو أكثر من ذلك ، أي أنها كما يقول علماء الأصول خاصة بمن يتوب ، ومما يؤكد هذ الفهم أن الآية 282 من سورة البقرة المعروفة بآية الدين قد جاءت بعد ذلك لتحدد شروط التداين ، فلم تتضمن أي حكم بشأن الزيادة على رأس المال. ولأن مثل هذه الزيادة هي التي تجعل الدين ربوياً – وفقاً لرأي بعض الفقهاء – فإن النص على عدم الزيادة في الآية 282 كان ضرورياً لتحديد الحكم بوضوح ، نظراً لأن الربا من كبائر المحرمات وعواقبه وخيمة. وقد بينت في البحث المعروض على المجمع أن سكوت المولى عز وجل عن موضوع الزيادة كان مقصوداً لرفع الحرج عن المقرضين الذين كانوا سيُظلمون إذا ما أدى انخفاض القوة الشرائية للنقود إلى تدهور قيمة نقودهم بفعل التضخم.
إن موضوع الفوائد البنكية لا يمكن أن يناقش في عجالة أو في جلسة واحد من جلسات مؤتمر حفل بالعديد من القضايا الساخنة ، ولابد أن يخصص له مؤتمرات أخرى كي تعطيه حقه من الدراسة والمناقشة ، ولهذا ، وأياً كان القرار الذي سيصدر عن المؤتمر بشأن الفوائد البنكية ، فإن إثارة الموضوع لن تتوقف ، وسيظل أصحاب الرأي الآخر عند موقفهم المعارض لتحريم الفوائد طالما لم يتوقف الفقهاء عند تلك الآراء لمناقشتها ودحضها إن لم تكن سليمة.

بحث مقدم إلى مؤتمر مجمع البحوث الفقهية بالدوحة

تقديم:

قد يكون في انعقاد مجمع البحوث الفقهية في الدوحة هذا الأسبوع فرصة مناسبة لإثارة موضوع الفوائد البنكية الذي اختلفت بشأنه الآراء ما بين محرم لها باعتبارها من الربا ، وما بين محلٍ باعتبارها معاملات حديثة لا علاقة لها بالربا ..
وقد كان من أصحاب الرأي الآخر أُناس ثقات لا يشك أحد في علمهم وإخلاصهم ، ولعل من بينهم فضيلة الشيخ المرحوم محمد الغزالي ، والشيخ عبدالله المشد اللذين أيدا فتوى الشيخ طنطاوي منذ عام 1989 ولحقهم في ذلك عدد كبير من الفقهاء والعلماء منهم عبدالله شحاتة ونصر فريد وأحمد الطيب وآخرون. وانتهى مجمع البحوث بالأزهر الشريف بتاريخ 31/10/2002 إلى إصدار قرار يقضي بأن الفوائد البنكية ليست هي الربا المحرم في القرآن الكريم والسنة المطهرة.والحقيقة أن إبعاد شبهة الربا عن الفوائد البنكية أمر سهل إذا ما راعينا الاعتبارات التالية :
• أولاً : التفرقة بين ربا النسيئة وربا البيوع ، فطالما أننا نتحدث عن ربا النسيئة (أي ربا الأجل ، أو ربا الديون) ، فإن الاستدلال له بفقرات من أحاديث ربا البيوع لا يؤدي إلا إلى إثارة نوع من البلبلة في فهم الموضوع ، ناهيك عن أن مفهوم أحاديث ربا البيوع مختلَف عليها بين الفقهاء ، وأن هناك من الصحابة من يشكك في بعضها أصلاً.
• ثانياً : التسليم بأن تحريم ربا الديون قد تم على مراحل بدأت في مكة بالتنفير منه من خلال الآية 39 في سورة الروم ثم بالتحريم من صورته المضاعفة أضعافاً في السنة الثالثة للهجرة في الآية 130 من سورة آل عمران ، ثم بالتنبيه إلى أن التحريم قادم مثلما تم تحريمه على اليهود كما في الآية 59 من سورة النساء ، ثم بالتحريم النهائي كما في مجموعة الآيات 274 – 279 من سورة البقرة ..
• ثالثاً : التسليم بأن الربا من كبائر المحرمات في الاسلام وأن الله قد بينه للناس بصورة واضحة لا يحتاج معها إلى استنباط أحكام إضافيه لبيانه وتوضيحه.

على ضوء هذه الاعتبارات الثلاث يمكن مناقشة الأدلة التي يستند إليها أصحاب الرأي الأول القائلين بتحريم الفوائد البنكية. ويتضمن هذا البحث الموجز النقاط الأساسية في الموضوع ، على أمل أن يتفضل السادة العلماء بدراستها ومناقشتها في مؤتمرهم الموقر .. والنقاط محل الدراسة هي:

أولاً : كيف استنتج العلماء أن أي زيادة على رأس المال حرام ؟
ثانياً : لماذا يُحرم تحديد العائد على رأس المال مقدماً ؟
ثالثاً : ما هو الربا إن لم يكن في الفوائد البنكية ؟

أولاً : كيف استنتج العلماء أن أي زيادة على رأس المال حرام ؟

استند الرأي القائل بتحريم الفوائد إلى عدة أشياء في محاولة لإثبات أن أي زيادة على رأس المال هي الربا ، وهذه الأشياء هي على النحو التالي :
1. ما ورد في حديث الأصناف الستة : الذهب بالذهب والفضة بالفضة…. والواضح أن الاستدلال بالحديث المذكور فيه خلط بين ربا البيوع وربا النسيئة (أي الأجل) كما سيرد شرحه تالياً. وقد شكك عدد من الصحابة الثقات في هذا الحديث ولم يسمعوا به ومنهم ابن عباس وأسامة بن زيد وعبدالله بن الزبير وزيد بن الأرقم وسعيد بن جبير رضي الله عنهم (أنظر في ذلك صحيح مسلم الجزء الثالث الأحاديث 101 و 102 و 104 وكلها تؤكد قول الرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – لا ربا إلا في النسيئة. وقد قال الشيخ محمد أبو زهرة في كتاب خاتم النبيين صفحة 1104 أن ربا البيوع لم يثبت إلا بالأحاديث الواردة فيه وهي أحاديث لا تثبت قطعياً ويقيناً. ومع ذلك لو سلمنا بصحة الحديث ، فإن الاستدلال بما جاء في آخره وهو : من زاد أو استزاد فقد أربى لا يمكن أن يفهم إلا في إطار موضوع التجارة. فالحديث عن الأصناف الستة المشار إليها كان على سبيل الحصر ، والزيادة التي يتحدث عنها الحديث ليست مطلقة وإنما ينصرف معناها إلى الكيل والميزان ، وقد نهى الله عن التلاعب في الموازين والمكاييل كما ورد في سورة المطففين.

2. الاستدلال بالآية 278 من سورة البقرة : يا أيها الذين آمنوا ذروا ما بقي من الربا… في القول بعدم جواز أخذ أي زيادة على رأس المال ، وهذا استدلال يمكن تفنيده ، استناداً لما ورد في كتب التفسير ، وهو أن نفراً من ثقيف وهم من أهل الطائف قد دخلوا الإسلام بعد فتح مكة وكان لهم دين على بني المغيرة من مخزوم ، ولم يتوقفوا عن المطالبة بما تبقى من أقساط ربوية بعد إسلامهم ، فاشتكى بنو المغيرة إلى عامل مكة الذي رفع الأمر إلى الرسول الكريم صلوات الله عليه فنـزلت الآية 278: يا أيها الذين آمنوا ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين ، ويُفهم من الآية أن ذروا ما بقي من الربا تخص العدد القليل من ثقيف المطالبين بما تبقى لهم من أقساط ربوية ، ولا ينصرف معناها إلى أن الربا هو قليل الفائدة. وقد يقول الفقهاء إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص التنـزيل ، وأقول إن الأخذ بعموم اللفظ لا يغير من صحة الإستدلال ، وأن ذروا تظل دالة على ما تبقى من أقساط ربوية لمن يتوب.
3. الاستدلال بما جاء في الآية 279 من سورة البقرة وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون ، في القول بعد جواز أخذ أي زيادة على رأس المال ، والحقيقة أن هذا فهم غير صحيح للآية التي جاءت لترشد التائبين بكيفية الخروج من الربا , ذلك أن التائبين من المرابين قد باتوا في حيرة من أمرهم فماذا هم فاعلون بعد التوبة ؟ أيعيدون ما أخذوه من أقساط ربوية ، أم يتوقفون عن أكل الربا ولهم ما قد سلف ؟ فجاء الجواب : لكم رؤوس أموالكم ، وهو حكم يقترن بشرط التوبة عن الربا، ولا يتجاوزه إلى المعاملات الجديدة التي يُفترض خلوها من الربا . ولو كان الله يريد إقرار حكم بعدم جواز أخذ أي زيادة على رأس المال لنص على ذلك صراحة في الآية التالية رقم 282 التي تتحدث عن الدين. فإذا كانت الآية 279 تعالج وضعاً استثنائياً لمن يتوبون فإن الآية 282 تضع أحكاماً جديدة بخصوص التداين. والفهم الصحيح لسياق المعنى في الآيتين يوجب أن يأتي النهي عن أخذ أي زيادة على رأس المال ضمن شروط التداين الجديدة التي أقرها الله في الآية 282 ، لا أن يتم استنتاجه تعسفاً من الآية 279 ، ولكن الله تعالى لحكمة بالغة لم يقرر شيئاً بهذا الخصوص. وسكت عن ذلك كما سكت الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) ، والأصل في الأشياء الاباحة ما لم يكن هناك نص واضح بخلاف ذلك.
4. إن هناك من يحرم أي زيادة على رأس المال استناداً إلى القاعدة التي تقول : كل قرض جر نفعاً فهو ربا، بإعتبار أنها حديث شريف ، وهذا الكلام رغم وضوحه إلا أنه ليس حديثاً ، فقد رواه الحارث بن أبي إمامة وإسناده ساقط – لأن في إسناده سوار بن مصعب الهمذاني وهو متروك – وله شاهد ضعيف عن فضاله بن عبيد البيهقي ، وآخر موقوف عن عبدالله بن سلام. والمؤكد أن هذا الحديث برواياته المختلفة لم يثبت إتصال سنده إلى الرسول الكريم ، فكيف يكون حديثاً وتبنى عليه أحكام هامة ؟
5. وهناك من يستند إلى القاعدة الفقهية التي تقول : ما أسكر كثيره فقليله حرام في تحريم أي زيادة على رأس المال ، وهذا القول مردود عليه بأن القياس في غير محله ، فالقليل من الخمر يؤدي إلى الادمان بعد فترة من الزمن ، أما التعامل بقليل الفوائد ، فإنه لن يؤدي إلى التحول إلى الربا ، لأن البنك الذي يعطي 5% أو 10% سنوياً ، لن يعطي 100% طالما ظل سعر الصرف مستقراً. ثم إن هناك الكثير من الأمور التي نهى الاسلام عن كثيرها وأحل قليلها ، فهو قد نهى عن صيام الدهر وأحل صيام الإثنين والخميس من كل أسبوع ، ونهى عن الزواج بأكثر من أربع وأحل ما دون ذلك ، ونهى عن أكل لحم الخنزير وأباح القليل منه في حالة الضرورة ، ونهى عن أكل مال اليتيم وأباح للوصي أن يأكل القليل منه إذا كان فقيراً.

الخلاصة : إن تحريم أخذ أي زيادة على رأس المال يتنافى مع العدل ، فلو تصورنا أن شخصاً قد اقترض مبلغ عشرة آلاف جنية مصري قبل عامين عندما كان سعر الجنيه يعادل ريالا واحدا تقريباً ، فإن من غير العدل أن يعيدها اليوم كما هي بدون زيادة رغم الانخفاض الشديد الذي طرأ على سعر الجنيه والذي جعل القيمة الفعلية للعشرة آلاف تقل عن 7500 ريال ، ومن الظلم للمقرض أن يستلم أمواله ناقصة في قيمتها الحقيقية تأكيداًً لقوله تعالى : ولا تُظلمون, وهذه المسألة معروفة عند الاقتصاديين باسم تناقص القوة الشرائية للنقود. ولكن هل غابت هذه المسألة عن الشارع الحكيم , بالطبع لا وسأضرب أمثلة لإثبات ذلك:
• أن المولى عز وجل قد جعل الكفارة في آيات الأحكام إطعام مسكين أو مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة , وكلها أمور عينية وليست نقدية بحيث تتناسب مع ظروف المسلمين في كل زمان ومكان .
• أن زكاة الفطر قد حددها الرسول الكريم بصاع من بُر أو تمر أو شعير ولم يحددها نقداً رغم جواز دفعها بالنقد وذلك حتى تكون قيمتها معلومة لأهل كل مدينة .
• وعلى العكس من ذلك , عندما أشارت النصوص القرآنية الى أشياء حدثت في الماضي ولن تتغير قيمتها في المستقبل فإنها ذكرت تلك القيم تحديداً مثل قول الله تعالى: وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين في قصة يوسف عليه السلام , ومثل قوله تعالى: فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً.. كما في قصة أهل الكهف.
• في الآية 75 من سورة آل عمران وردت القيمتان النقدية والعينية في آن واحد عندما تحدث القرآن الكريم عن أخلاق أهل الكتاب فقال: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده اليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده اليك إلا ما دمت عليه قائما فقيمة الدينار تشيرإلى القليل ولا يزيدها مرور الوقت إلا إنخفاضاً كما هو الحال مع الدينار العراقي والسوداني , وأما القنطار فيشير إلى الكثير وهو يظل كذلك في كل زمان ومكان لإن قيمة القنطار سواء أكان قنطارقمح أو قطن أو أي شئ تزداد مع الزمن .وهذه الآيه من الإعجاز القرآني إذ كان المنطق يستلزم استخدام مبلغاً نقدياً كألف دينار بدلاً من القنطار عند المقارنة ولكن الخالق العظيم يعلم أنه سيأتي يوم تنهار فيه قيمة الألف دينار فلا تساوي شيئاً يذكر فاستبدلها بالقنطار . ومن هنا نفهم أن سكوت المولى عز وجل أو الرسول الكريم عن موضوع الزيادة على أنه أمر مقصود حيث ترك لكل مجتمع تحديد ما يناسبه فى هذا الخصوص .
ثانياً : لماذا يُحرم تحديد العائد على رأس المال مقدماً ؟

يرى بعض العلماء أن الفوائد البنكية تستمد حرمتها من عنصر آخر هو تحديد العائد مقدماً ، وقد رد على ذلك علماء آخرون بما في ذلك علماء المجمع الفقهي بالأزهر بأنه لا يوجد في القرآن ولا في السنة ما يمكن أن يستدل منه على تحريم تحديد العائد مقدماً ، وأن القائلين بالتحريم قد استنبطوه من حديث المُزارعة الذي ينهى فيه الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام عن اشتراط أخذ عائد جزء معين من الأرض عند الاستزراع ، مع تدعيم القياس بقول الإمام ابن قدامة (المزارعة مثل المضاربة).
وفي تقديري أن هذا الاستدلال غير مقنع والقياس فيه ضعيف لاختلاف ظروف القرض عن ظروف المزارعة ، ففي المزارعة يكون المزارع مقيداً بعمل واحد هو الفلاحة بينما يتسع المجال أمام المقترض ليتصرف في مال القرض كيفما شاء. وفي المزارعة تتدخل عوامل بيئية ومناخية خارجة عن إرادة المزارع لتؤثر على حجم الانتاج ، ومن هنا نهى الرسول الكريم عن استئثار صاحب الأرض أو المزارع بنصيب معين من عائد الأرض سلفاً حتى لا يلحق الظلم بالطرف الآخر إذا ما أصاب بعض الزرع عارض طارئ أو تفاوتت غلة الأرض ما بين جزء وآخر. ثم إن ابن قدامة ينقل قياسه من المزارعة إلى المضاربة ، وأعمال البنوك كما يقول الفقهاء ليست مضاربة ، فكيف يقبلون بنقل القياس إليها ؟
إن موضوع تحريم الربا من الأمور العظيمة في الإسلام ولا يُعقل أن يترك استنباط حكم أساسي فيه إلى حديث ، وياليته عن الربا بل عن الاستزراع .. أفما كان من الأجدى أن يأتي النهي عن تحديد العائد مقدماً ، صراحةً في أحاديث تحريم الربا ، وهي كثيرة ؟ أم أن سكوت الرسول الكريم (ص) على ذلك كان أمر مقصوداً ؟

ثالثاً : ما هو الربا وأين يوجد ؟

إذا لم تكن فوائد البنوك التقليدية ربا فما هو الربا وأين يوجد ؟
الحقيقة أن الربا موجود في كل المجتمعات ولكنه لا يظهر على السطح وإنما يوجد في الشوارع الخلفية والأحياء الفقيرة ، فحيثما تكون هناك حاجة ماسة للمال ولا يتمكن الشخص من الاقتراض من البنوك – إما لعدم وجود راتب ثابت أو تجارة أو كفيل – فإنه يقع فريسة للمرابين الذين ينتهزون الفرص لاستغلال ذوي الحاجة. أما أعمال البنوك الحديثة فهي خالية من الربا ، ولو تصورنا غير ذلك لكان علينا التسليم بأننا نعيش مخالفة كبيرة للشرع في كل بلاد المسلمين ، ذلك أن حجم الودائع في بنوك قطر على سبيل المثال يزيد عن 44 مليار ريال ويزيد حجم القروض عن 34 مليار ريال. وقد اقترضت قطر عشرات المليارات لتمويل مشروعات التنمية فيها ، وقد بارك الله في تلك المشروعات وطرحت خيراً عميمـاً ، ولو كانت رباً كما يقول الفقهاء لربما محقها الله – لا سمح الله – مثلما توعد المرابين.
تعريف الربا:
الربا لغة هو الزيادة والنماء كما تقول المعاجم اللغوية ، وهذا المعنى قد يبدو في ظاهره صحيحاً ولكنه في الحقيقة غير ذلك ، فالربا نوع من الزيادة ولكن ليس أي زيادة فقد كان لفظ الزيادة معروفاً عند العرب ، وورد في القرآن الكريم 61 مرة ، ولو أن يربي بمعنى يزيد لقال الله تعالى في سورة البقرة : يمحق الله الربا ويزيد الصدقات بدلاً من يربي الصدقات ، أو أن يقول : أخذناه أخذة زائدة بدلاً من أخذة رابية كما في قصة فرعون مع موسى علية السلام ، أو يقول : أن تكون أمة هي أزيد من أمة بدلاً من أربى من أمة كما في سورة النحل ، ولكن الله سبحانه وتعالى استخدم دائماً اللفظ الأقوى في يربي ورابية وأربى للتعبير عن ارتفاع القيمة او هول الموقف. فمن أين استدل الفقهاء إذاً على أن الزيادة هي الربا؟
يقول العرب في تعريف ربا الجاهلية بأن الرجل كان يُقرض شخصاً مبلغاً من المال لأجل ، فإذا جاء الموعد قال له تقضي أم تربي ، فإذا لم يقض زاده في الدين مقابل زيادة الأجل ، ومن هنا فهم الفقهاء أن الزيادة هي الربا وهذا غير صحيح. ولكي نوضح ذلك نعطي مثالاً حسابياً :
نفرض أن مبلغ الدين 100 ريال ، وأن موعد السداد كان بعد شهر ، وفي الموعد تقرر التأجيل مقابل فائدة ربوية 240% سنوياً أو ما يعادل 20% شهرياً أي 20 ريالاً شهرياً ، فيكون مبلغ ال20 ريالاً زيادة على أصل المائة ، فالمقترض يدفع 20 ريالاً كلما أراد تأخير السداد شهراً آخر ، فإذا ما تأخر سنة كاملة فإنه يدفع 240 ريالاً ، ويبقى رأس المال المائة على حاله ، وإذا استمر الحال 4 سنوات أو أكثر فإن الربا مع رأس المال يزيد عن ال1000 ريال. فالدفعة الواحدة التي هي 20 ريالاً شهرياً تسمى زيادة لأنها جزء من أصل القرض ، وأما مجموع الدفعات في سنة فهو الربا ، وهذا ما قاله ابن القيم في أعلام الموقعين من أن المائة حالة في ربا الجاهلية كانت تصير عدة آلاف مؤلفة ، وأما الدفعة الشهرية فهي زيادة ولا تشكل رباً بمفردها ، ولهذا قالوا زاد في الدين ولم يقولوا ربا في الدين.
وإذا لم يكن الربا هو الزيادة ، فما هو إذاً ؟
قد أعطانا الله مفتاحاً لفهم الكلمة ، فقال في سورة البقرة : يمحق الله الربا ويربي الصدقات ، وقال في سورة الحديد : المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعف لهم ولهم أجر كريم ، وقال أيضاً : وإن تك حسنة (أي صدقة) يضاعفها ويؤتي من لدنه أجراً عظيماً ، وقال أيضاً : من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة. ونفهم من ذلك أن يربي بمعنى يضاعف ، وقد تأكدت العلاقة بين الربا والمضاعفة من الآتي :
• في سورة الروم يقارن المولى عز وجل بين آكل الربا الذي يتضاعف أمواله في أموال الناس ، ومؤتي الزكاة الذي يتضاعف ثوابه عند الله ، ويقول أولئك هم المضعفون أو المقبول عملهم في وصف النوع الثاني.
• في سورة آل عمران الآية 130 نهي واضح ومباشر عن أكل الربا أضعافاً مضاعفة ، وقد قيل إن ذلك من باب المبالغة والتبشيع ، واستكثر الفقهاء أن يكون الربا قد تضاعف في فترة من الفترات إلى أضعافٍ مضاعفة. وأقول رداً على ذلك أنه لو فهم العباس أن النهي عن الأضعاف المضاعفة لا يطابق واقع رباه ، لحاجج الرسول الكريم ، ولربما قال : إن ربانا كذا وليس كذا ولكنه لم يعترض . وفي آيات التحريم يكون التبشيع لاحقاً للمنهي عنه مثل:ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً ، وفي آية أخرى : ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلا.
ثم إن الربا قد رَبَا في فترة نزول هذا الآية ، وهي الفترة التي حدثت فيها غزوة أُحد وأصبح أضعافاً مضاعفة نتيجة ملاحقة المسلمين لقوافل قريش ، فاضطربت المعاملات المالية وازداد خوف الناس على أموالهم مما أدى إلى ارتفاع معدلات الربا ، وهو أمر مألوف ونشاهده هذه الأيام في الدول التي تقوم بها حروب ، أو تصيبها كوارث ، وقد حدث في ربيع عام 2001م أن ارتفع معدل الفائدة على الليرة التركية إلى 2000% سنوياً أو 8% يومياً في الفترة التي تدهورت فيها الليرة التركية إلى نصف سعرها في أسبوع واحد.
ويقول بعض الفقهاء في فهم الآية 130 من سورة آل عمران إن فوائد الدين تتراكم شهراً بعد شهر حتى تصبح أضعافاً مضاعفة ، وهذا الكلام غير صحيح لأن الفوائد بشكلها الحالي لا تتضاعف مرة واحدة إلا في سنوات عديدة بإفتراض بقاء الدين على حاله وعدم سداد أي قسط. ومنهم من يرى أن أضعافاً في اللغة هي حال الربا ، وبالتالي يفهمون أن التضاعف في الربا يحدث منذ القسط الثاني ، فالفائدة الثانية تكون مثل الأولى أي ضعفها وهكذا تتضاعف الفوائد شهراً بعد شهر ، وهذا فهم سقيم لمعنى الأضعاف في الآية لأنه لو صح ذلك لكان معناه أن الله قد حرم الربا منذ السنة الثالثة للهجرة بعد نزول الآية 130 من آل عمران ، وهو ما لم يقل أحد بحدوثه.
وهكذا ، يتضح من جملة ما سبق أن يربي بمعنى يضاعف ، وهي تشير إلى ارتفاع كبير في القيمة ، أما الزيادة فتدل على ارتفاع محدود في القيمة وهذا ما يمكن فهمه من كل الآيات التي ورد فيها لفظ الزيادة ، ومنها في سورة الكهف : ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعة ، هنا التسعة تعادل 3% من الأصل ، وفي سورة الصافات يقول الله تعالى : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ، حيث الزيادة السكانية 3 أو 4% سنوياً ، وفي سورة يوسف : ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ، الزيادة هنا بعير واحد على تسعة كانت لإخوة يوسف أي واحد من تسعة وتعادل 11%. ويمكن أن يستخدم لفظ الزيادة في حالة الضعف الواحد فقط ، مثل : قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذاباً ضعفاً في النار ، وإذا ارتفعت القيمة أكثر من ذلك نتوقف عن استخدام لفظ الزيادة ونكتفي بلفظ المضاعفة مثل : يضاعف لها العذاب ضعفين و يضاعفه له أضعافاً كثيرةً…إلخ. ولقد وردت كلمة يربي في الأحاديث بمعنى يضاعف ، مثل : فلا والله ما أكلنا من لقمة إلا وقد ربا ما تحتها ، أي تضاعف الطعام القليل ليكفي العدد الكبير ، وفي حديث آخر وإن صدقة أحدكم يضعها في يد الفقير فيربيها الله كما يربي أحدكم فلوه حتى تصبح يوم القيامة على قدر جبل أحد.

فإذا ما سلمنا بأن يربي بمعنى يضاعف ، فإن الربا يكون بذلك مختلفاً تماماً عن الفائدة البنكية المعاصرة ، وبالتالي تنتفي شبهة الربا عن أعمال البنوك التجارية ، والله أعلم.

نصائح إستثمارية للمتعاملين في سوق الأسهم المحلية

يستحوذ سوق الدوحة للأوراق المالية هذه الأيام على اهتمامات شريحة واسعة من المستثمرين في قطر بالنظر إلى النتائج الجيدة التي حققتها السوق في عام 2002م والتي تبوأت بفضلها المركز الثاني بين أسواق المال الخليجية. وكان مؤشر سوق الدوحة قد ارتفع في العام 2002م بنسبة 37.33%, وارتفعت معه أسعار جميع الأسهم المدرجة في السوق ما عدا سهم الشركة الترفيهية التي سجل سعرها تراجعاً بواقع نصف ريال للسهم أو نحو 7.1%. وقد حققت أسعار أسهم 18 شركة ارتفاعاً ملحوظاً زادت نسبته عن 30% ، وكان ترتيب الشركات حسب ارتفاع سعر السهم ما بين بداية السنة وآخرها مع نسبة الارتفاع على النحو التالي :
قطر للوقود 180% ، المستزمات الطبية 115% ، التحويلية 111% ، الاسلامية للتأمين 95.3% ، الدوحة للتأمين 84.6% ، القطرية العامة للتأمين 83.5% ، المستشفى الأهلي 82% ، البنك الدولي الاسلامي 80.1% ، الاسمنت 74% ، بنك الدوحة 73.6% ، الشركة العقارية 72.6% ، البنك التجاري 64.1% ، الخليج للتأمين 51.5% ، الملاحة 43.2% ، بنك قطر الوطني 40.3% ، مصرف قطر الاسلامي 35.8% ، الكهرباء والماء 34.3% ، البنك الأهلي 30.9%.
هذه النتائج الممتازة جعلت الكثيرين ممن ترددوا في دخول السوق يتحسفون على الفرص الضائعة في وقت تدهور فيه عائد الودائع المصرفية إلى أقل من 2% ، أما الذين دخلوا السوق بغرض المضاربة وفاتهم قطار الربح السريع ، أو أنهم أصابوا خسائر نتيجة الحركة ضد اتجاه السوق ، فباعوا والأسعار منخفضة أو اشتروا والأسعار مرتفعة ، فأولئك زادتهم النتائج ارتباكاً خشية أن تكون قراراتهم الجديدة كسابقاتها بدون توفيق . وحتى أولئك الذين أصابوا أرباحاً كبيرة ، فإن منهم من بات يسأل عما إذا كان عليه أن يبيع ليجني الأرباح أم أن يحافظ على أسهمه الرابحة لكي يحقق المزيد من الأرباح المرتفعة في السنوات التالية ؟ . والسؤال الذي يلح على الجميع الآن هو ما إذا كان الوقت مناسب للشراء الآن أم أنه أكثر ملائمة للبيع؟ وإذا كان الوقت مناسب للشراء فأي الأسهم يشتري؟ وإذا كان الوقت مناسباً للبيع فأي الأسهم يبيع؟ للاجابة على هذه التساؤلات لا بد من التذكير بالحقائق التالية :
1. أن معدلات الفائدة على الودائع مرشحة للبقاء عند المستويات المنخفضة طيلة عام 2003م ، وذلك عنصر يعمل باتجاه رفع الأسعار.
2. أن أسعار الأسهم قد ارتفعت للعام الثاني على التوالي ، ووصل بعضها إلى مستويات مرتفعة ، وذلك عنصر يعمل بإتجاه خفض الأسعار.
3. أن المتعاملين بالسوق يميلون إلى التعامل مع الأسهم الجديدة التي تحقق أرباحاً سريعة وكبيرة ، ومن شأن طرح أسهم جديدة للاكتتاب في الشهور القادمة أن يعمل على خفض أسعار الأسهم.
4. أن المتعاملين يفضلون شراء أسهم الشركات ذات السعر المنخفض (نسبة إلى القيمة الاسمية) ، وليس الأسهم الثقيلة التي يتطلب التعامل بها مبالغ ضخمة واحتمالات الربح فيها محدودة.
5. إن أداء الشركات ونتائجها المالية السابقة ، وصافي عائد السهم الواحد منسوباً إلى القيمة السوقية للسهم تشكل كلها عناصر مؤثرة عند اتخاذ القرار.
على ضوء المعطيات السابقة ، نجد أن أسعار أسهم كثير من الشركات مرشحة للانخفاض بعد توزيع الأرباح (بدون الإشارة الى أسماء بعينها) ، وأن أي ارتفاع ملحوظ لن يحدث قبل بداية الصيف ، وبالتالي فإن النصيحة الموجهة للمستثمرين هي في التعجيل بجني الأرباح في هذه المرحلة وتأخير عمليات الشراء إلى ما بعد شهر مارس على الأقل, وعلى كل مستثمر أن يتخد قراره النهائي على ضوء معطياته الخاصة.

بين أرباح المساهمين وأصحاب الودائع في البنوك الاسلامية

الحديث عن البنوك وفوائدها وأرباحها يكاد لا ينتهي ، ويستقطب اهتمام غالبية الناس على صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون وفي المجالس والديوانيات وعبر الهاتف أيضاً. وعلى سبيل المثال فإن توصية مجلس إدارة بنك قطر الدولي الإسلامي بتوزيع أرباح على المساهمين بواقع 35% من القيمة الاسمية للسهم الواحد قد فاجأت المتعاملين في سوق الدوحة للأوراق المالية ورفعت قيمة السهم من أسهم البنك بنسبة 16% في أسبوع واحد وإلى ما يزيد عن 50% من قيمته منذ بداية العام. ولم يصدق أحد المساهمين نفسه وهو يسمع الخبر وراح يحسب غنائمه من الاستثمار الموفق في أسهم هذا البنك في سنة واحدة فقط .. ذلك أن الرجل قرر منذ عام الابتعاد عن الودائع البنكية التي بات عائدها لا يغطي ما عليها من زكاة واجبة ، واشترى بالمائة ألف ريال التي يملكها 2500 سهماً من أسهم بنك قطر الدولي الإسلامي بسعر 40 ريالاً للسهم الواحد ، فكانت النتيجة أنه وجد نفسه مع نهاية العام بحاجة إلى نصيحة استثمارية عاجلة:
1. فهل يحصل على ما مقداره 50 ألف ريال أي بعائد 50% على استثماراته إذا ما باع الأسهم فوراً في السوق بالسعر الحالي الذي يزيد قليلاً عن 60 ريالا للسهم الواحد؟
أو:
2. أن يحصل على عائد مؤجل غير محدد القيمة في الوقت الراهن إذا ما قرر الاحتفاظ بالأسهم حتى توزيع الأرباح علىالمساهمين في غضون شهرين أو ثلاثة ، ورغم أنه سيحصل على عائد نقدي مضمون مقدارة 2500 ريال ونحو 625 سهماً مجانيةً ، إلا أنه لا يعرف ما إذا كان سعر السهم في السوق سينخفض عندها أم سيبقى على ما هو عليه الآن؟
وسواء قرر المستثمر بيع الأسهم أو الاحتفاظ بها ، فإن العائد لديه لن ينخفض عن 25% أو ما يعادل 25 ألف ريال حتى لو انخفض سعر السهم في السوق بعد توزيع الأرباح إلى 40 ريالاً للسهم كما كان عند بداية العام.
وعلى النقيض من صاحبنا هذا ، فإن المودع الذي احتفظ بوديعة مماثلة لدى نفس البنك منذ عام يجد نفسه في وضع أسوأ بكثير إذ أن قصارى ما يتمناه الآن هو الحصول على عائد في حدود 3000 ريال فقط أو بنسبة 3% إن لم يكن أقل ..
والواقع أن الاستثمار في الأسهم قد أصبح منذ عام 2001م أفضل بكثير من عائد الودائع البنكية. ومع ذلك ، فإن المودعين لدى البنوك الاسلامية على وجه الخصوص يعتبرون أنفسهم شركاء في المضاربات الاسلامية ويتوقعون أن ترتفع أرباحهم بارتفاع أرباح البنوك الاسلامية لا أن تنخفض. الجدير بالذكر أن عائد الودائع لدى بنك قطر الدولي الاسلامي قد انخفض في العام الماضي إلى 4% مقارنة بـ 7% في العام الأسبق ، وذلك في الوقت الذي ارتفعت فيه الأرباح الموزعة على المساهمين إلى 25% من 17% ، ومن هنا فإن رفع النسبة هذا العام إلى 35% ينذر بخفض أرباح المودعين إلى ما نسبته 3% أو أقل على نحو ما توقعت في مقال سابق في هذه الزاوية بتاريخ 16/1/2002م.
إن البنوك الاسلامية لم تحاول على مدى العامين الماضيين الاستفادة من الظروف الاستثنائية في خلق وضع مميز لها عن البنوك التجارية ، بحيث تبتعد عما تقرره تلك البنوك من معدلات فائدة على الودائع أو على القروض ، لتقترب بذلك من جوهر العمل المصرفي الاسلامي. وهكذا ، فإن تأخير تحديد العائد على الودائع إلى نهاية العام لم يؤد إلى مفاجآت غير متوقعة في احتساب ذلك العائد ، وإنما تم احتسابه استناداً إلى سعر الفائدة السائد في السوق خلال عام 2002م.