الأرشيف الشهري: سبتمبر 2004

تنامي المطلوبات والحاجة لزيادة رأسمال المركزي

عندما يُصدر البنك المركزي عُملة ما ويطرحها للتداول، فإن تلك المبالغ المصدرة والمتداولة خارج البنك المركزي تشكل التزاماً على البنك، عليه الوفاء به إذا اقتضت الضرورة. والوفاء بالالتزام يكون في تحويل هذه العملة المحلية إلى عملات أجنبية قابلة للتحويل كالدولار واليورو والين وغيرها. ولكي يتمكن البنك المركزي من القيام بهذه المهمة، فضلاً عن الحفاظ على سعر صرفها، فإنه يحتفظ باحتياطيات نقدية من العملات الأجنبية لا تقل عن 100% من النقد المصدر. ومع تطور وسائل الدفع في العقد الأخير ودخول بطاقات الائتمان بأنواعها المختلفة وبطاقات الصراف الآلي باعتبارها وسائل دفع مقبولة إلى جانب النقد والشيكات المصرفية، فإن الحاجة للنقد المصدر لم تعد تنمو كما في السابق. ومع ذلك فإن نمو الاحتياطيات الأجنبية وتراكمها لدى البنك المركزي يجب أن يستمر، طالما أن الأموال التي قد يُطلب من البنك المركزي تحويلها-ولو نظرياً- لا تقتصر فقط على النقد المتداول، وإنما تتعدى ذلك- في أوقات الأزمات- لجانب مهم من أموال القطاع الخاص المودعة في البنوك المحلية. وقد يكون لدى هذه البنوك موجودات بالعملة الأجنبية تستطيع الدفع بها، إلا أن ذلك لا يكفي لتغطية طلبات تحويل كل الودائع بالعملة المحلية إلى عملات أجنبية في أوقات الأزمات المالية. وقد حدث شيء من هذا القبيل في الأزمات المالية التي عصفت بدول جنوب شرق آسيا وفي دول أمريكا اللاتينية وتركيا وغيرها.
وفي قطر، سجل النقد المصدر زيادة سنوية محدودة وتضاعف مرة واحدة فقط في 13 سنة من 1412 مليون ريال في عام 1991 إلى 2811 مليون ريال في يونيو 2004، وفي المقابل تضاعفت ودائع البنوك الإجمالية في نفس الفترة ثلاث مرات ونصف، من 15 مليار ريال إلى 56.8 مليار ريال. وفي مواكبة هذه الزيادات الكبيرة حرصت الدولة على تدعيم احتياطيات مصرف قطر المركزي كلما سنحت الفرصة لذلك. والدعم قد يكون في رأس المال مباشرة أو في الاحتياطيات. ونجد بهذا الخصوص أنه قد تمت مضاعفة رأس المال في عام 1995 عشرة مرات إلى 500 مليون ريال، ثم ضوعف رأس المال مرة أخرى عام 1997 إلى 1000 مليون ريال. ومع زيادة رأس المال فُتح الباب لزيادة الاحتياطيات القانونية وغيرها باعتبار أن هذه الأخيرة تكون في العادة نسبة من رأس المال. وقامت الدولة في العام الماضي 2003 بزيادة احتياطيات المصرف بـ ألف مليون دولار أو ما يعادل 3640 مليون ريال، مما رفع جملة رأسمال المصرف واحتياطياته إلى 5.3 مليار ريال، حسب بيانات نشرة يونيو 2004 الفصلية. وقد عززت تلك الزيادة من موجودات المصرف بالعملات الأحنبية إلى ما يقارب 11 مليار ريال أي ما يعادل 400% من النقد المصدر. ورغم ارتفاع هذا الرقم على النحو المشار إليه، إلا أنه بحاجة إلى زيادات أخرى إذا ما أخذنا بعين الاعتبار الزيادة المطردة في حجم ودائع القطاع الخاص على الأقل التي بلغت حتى يونيو الماضي نحو 35 مليار ريال. كما أن متطلبات الاتحاد النقدي لدول مجلس التعاون قد تفرض التزامات جديدة بهذا الخصوص في المستقبل القريب عندما يُطلب من الدول الأعضاء أن تحتفظ لدى مصارفها وبنوكها المركزية باحتياطيات كافية من الصرف الأجنبي.
من أجل ذلك نعتقد بضرورة زيادة رأس مال مصرف قطر المركزي، بما يساعد على نمو الاحتياطيات وتراكمها، بشكل يتمشى مع النمو الاقتصادي الكبير الذي تحققه دولة قطر والذي سوف يتسارع بقوة في السنوات القليلة القادمة على ضوء الزيادة الكبيرة في أسعار النفط ومضاعفة الطاقة التصديرية من الغاز المسال سنة بعد أخرى.
ملاحظة: تأتيني استفسارات كثيرة بخصوص أسعار الأسهم ولكني لا أستطيع أن أكتب عن موضوع الأسهم كل أسبوع لأهمية الكتابة في الموضوعات الاقتصادية الأخرى.

هل تكون شركة صناعات أول المعتمدين لقرار الـ 25%

كتبت قبل ثلاثة أسابيع مقالاً بعنوان: «كيف تتحرك أسعار الأسهم في الأسابيع القادمة؟»، تنبأت فيه بأن تظل أسعار أسهم معظم الشركات «محلك سر» في غياب العوامل المحفزة لارتفاع الأسعار، وقصدت بتلك العوامل ظهور الصناديق إلى حيز التنفيذ الفعلي ودخول غير القطريين إلى السوق تحت مظلة الـ 25%. وقد حدث ان راوحت أسعار أسهم معظم الشركات مكانها بالفعل في الفترة الماضية، بل وعاد بعضها إلى التراجع هذا الأسبوع في ظل الغموض الذي يكتنف موعد ظهور الصناديق من ناحية، وعدم حصول تقدم على جبهة الـ 25% لغير القطريين من ناحية أخرى.

ومع اقتراب موعد الاكتتاب في أسهم شركة ناقلات الغاز فإن حالة الترقب التي تسود السوق حالياً سوف تتعمق بسبب عزوف كثير من المستثمرين عن عقد صفقات جديدة وتفضيلهم الانتظار لحين موعد الاكتتاب أملاً في تحقيق ربح وفير ومضمون. ورغم ان الأسابيع القادمة ستشهد الإعلان عن ميزانيات الشركات ونتائج أعمالها لفترة الشهور التسعة الأولى من العام الحالي، إلا أن ذلك لن يغير من واقع الحال في السوق كثيرا، وغالبا ما سترتفع أسعار أسهم بعض الشركات ذات الأداء الجيد وخاصة في قطاعي البنوك والتأمين، لتسترد بذلك بعضا مما خسرته في الفترة الأخيرة، كأن يعود سعر سهم المصرف الإسلامي إلى 175 والوطني إلى 180 والدوحة والتجاري قريباً من 170 ريالاً.

ولكن ما لم تكن هناك مفاجآت غير متوقعة في البيانات المنتظرة للشركات – وهو امر مستبعد – فإن هاجس الحرص على تأمين مراكز جيدة في اكتتاب شركة ناقلات الغاز سيكون هو العامل المهيمن والمسيطر على تعاملات السوق في الأسابيع القادمة وهو ما يعني ضمناً ان تظل السوق هادئة نسبياً وأن تميل أسعار بعض الشركات إلى الاستقرار وان ينخفض بعضها في خضم عمليات بيع لتأمين السيولة اللازمة للاكتتاب.

ومع ذلك لا يمكن استبعاد عنصر المفاجآت ونحن نتحدث عما يمكن ان يحدث في الأسابيع القادمة وذلك من قبيل حدوث تطور مهم في موضوع السماح لغير القطريين بالتداول في السوق. فالقرار الذي صدر مع نهاية شهر يوليو الماضي أزال العائق أمام حركة التداول لغير القطريين، ولكنه علق ذلك بموافقة الجمعيات العمومية غير العادية لكل شركة على حدة. فهل تخطو إدارات الشركات خطوات ملموسة باتجاه الدعوة لعقد اجتماعات غير عادية في الأسابيع القادمة أم ان كل شركة تفضل الانتظار لترى ما تفعله الشركات الأخرى؟

في تقديري ان الدولة وهي صاحبة القرار الصادر عن وزير الاقتصاد والتجارة، قد تكون معنية أكثر من غيرها بتفعيل القرار من خلال الشركات التي تساهم فيها الدولة، وأن تكون في ذلك أسوة حسنة لغيرها. وعلى سبيل المثال من السهل صدور قرار عن شركة صناعات قطر التي تمتلك قطر للبترول 70% من أسهمها بالموافقة على السماح لغير القطريين بامتلاك وتداول أسهمها، مادام لا توجد جمعية عمومية للشركة بالشكل المتعارف عليه في الشركات الأخرى. ولو صدر مثل هذا القرار فإنه سيعطي أسهم صناعات أولوية في استقطاب مدخرات غير القطريين، نظرا لأن انعقاد أي جمعية عمومية لأي شركة أخرى يتطلب تحضيرا يستغرق وقتاً.

والمبادرة من جانب شركة صناعات بالذات تبدو مطلوبة وملحة أكثر من غيرها لإنعاش الطلب على أسهم الشركة التي ظلت أسعارها متقوقعة عند مستوى يتراوح ما بين 50 و54 ريالاً لوقت طويل، رغم ثقة الناس المفرطة في هذه الشركة العملاقة.

إن تحريك سعر سهم صناعات يحتاج إلى قرارات جريئة لعل في مقدمتها صدور قرار بالسماح لغير القطريين بامتلاك وتداول ما نسبته 25% من أسهم الشركة. وإذا كان الفضل يرجع لهذه الشركة في استقطاب مدخرات آلاف القطريين إلى سوق الأسهم في عام 2003، فقد يكون لها الفضل أيضاً في إدخال آلاف غير القطريين لسوق الأسهم القطرية قبل نهاية عام 2004.

دعوة للاهتمام بالعاطلين عن العمل

قرأت قبل عدة أسابيع وربما شهور خبراً مفاده أن إحدى الجمعيات الخيرية قررت التوسع في مجال تقديم العون للعائلات الفقيرة داخل قطر عن طريق مساعدة أبناء هذه العائلات العاطلين عن العمل عن طريق إلحاقهم بوظائف مناسبة بما يساهم في خلق موارد دخل ذاتية لتلك العائلات. وقد سرني هذا الخبر لما فيه من مبادرة كريمة تهدف إلى بث الشعور بالراحة والطمأنينة لدى الناس الفقراء الذين تزيدهم البطالة بؤساً وتزيد من معاناتهم واتكالهم على المساعدات في بلد هو بحق من أغنى البلاد وأكثرها كرماً وحباً للخير. وقد رأيت في التوجه الجديد لهذه الجمعية الخيرية تطبيقاً رائعاً للمأثور في تراثنا العربي من أنه خير للفقير أن تعلمه صيد السمك من أن تطعمه كل يوم سمكة.
وفي ظني أن هذا العمل أمر محمود العواقب ويعود بالفائدة على سائر المجتمع القطري لما فيه من زيادة الانتاجية والدخل من ناحية، وزيادة الاستهلاك من ناحية أخرى، فضلاً عن أنه يحفظ المجتمع من المخاطر التي قد تنشأ في العادة من تفشي ظاهرة البطالة بين الشباب. من هنا فإن تبني جهة خيرية لهذه الفكرة يتطلب دعماً قوياً لها من جانب الدولة والمؤسسات العامة وشركات القطاع الخاص الكبيرة التي لا تقصر في العادة في دعم الأنشطة الإجتماعية كالبنوك وشركات التأمين والشركات الصناعية والمؤسسات التجارية المختلفة.
إن تحويل الفكرة إلى واقع ملموس يتطلب جهدأ تنظيمياً في غياب إحصاءات أوسجلات رسمية للعاطلين عن العمل والراغبين فيه ليس بين القطريين فقط ولكن أيضاً بين المقيمين الذين يتحول تخرجهم إلى عبء كبير على الأهل، إذا لم يجدوا فرصة عمل مناسبة بعد سنوات الدراسة التي كلفت فى الغالب عشرات الألوف من الريالات كرسوم دراسية فقط، ويصبح التأخر في إيجاد وظيفة مشكلة عند تجديد الإقامة لمن ينتظر قطار الوظيفة سنة بعد أخرى.
إنني أرجو من الجمعية التي أخذت على عاتقها هذه الفكرة أن لا يقتصر عملها على جهود فردية متفرقة لتعيين هذا الشخص أو ذاك استناداً إلى اتصالات شفهية أو شخصية في الخفاء، وإنما يكون الأمر أكبر من ذلك، وأن يأخذ الطابع المؤسسي المبني على خطة عمل منظمة ومعلنة الأهداف والأفعال والنتائج. وإذا كانت الجمعيات الخيرية تُعلن بين فترة وأخرى أنها صرفت كذا مليون ريال لعدد كذا أسرة متعففة، وأنها دفعت مصاريف كذا طالب وتلميذ في المدارس والجامعات، وأنها دفعت تكاليف عمليات جراحية لكذا مريض أو لعمليات غسيل كلى-لا أحوجكم الله إلى أي منها- فإننا نود أن نسمع في قطر الخير عن مبادرات من نوع جديد تقوم بها واحدة أو أكثر من تلك الجمعيات وتشمل الإعلان عن تعيين أعداد سنوية من العاطلين عن العمل في وظائف بالشركات والمؤسسات المختلفة، وأن تمنح البعض منهم فرص التدريب اللازم لاختصاصات الخريجين منهم حتى لا يكون نقص الخبرة سبباً في بقائهم طويلاً خارج سوق العمل.
إن الاقتصاد القطري ينمو بمعدلات مرتفعة جداً وهو قادر على خلق آلاف الوظائف سنوياً، ويمكن تلبية جانب من الوظائف الجديدة من المعروض المحلي-إذا توافر للشباب تدريب مناسب لد الشركات والمؤسسات- بدلاً من استيراد كل ما يغطى الفجوة من الخارج. لقد زاد عدد السكان في قطر ما بين عامي 1997 و2004 بنسبة 42% نتيجة الإفراط في الإعتماد على الخارج في مجال التوظيف، ولا أستغرب أن يتجاوز عد السكان المليون نسمة بحلول عام 2010 إذا لم يتم الاعتماد بشكل منظم على الكوادر المحلية في شغل الوظائف. إن الأمر قد يتطلب بعض التشريعات الداعمة لهذا المطلب، وقد يكون من المناسب أن تتحرك بعض المنظمات الحكومية أو الشعبية الفاعلة في هذا المجال من أجل دعم الفكرة وتنظيمها ضمن برنامج عمل محدد ومدروس.

قراءة في مبررات قرار إلـ 25%، والنتائج المحتملة

القرار الصادر عن حكومة قطر-ممثلة في وزير الاقتصاد والتجارة- بالسماح لغير القطريين بامتلاك ما نسبته 25% كحد أقصى من أسهم كافة الشركات المساهمة، كان مفاجأة سارة ورائعة للقطريين وكثير من غير القطريين. ومصدر المفاجأة أن المتعاملين في السوق كانوا في حالة ترقب لقرار قد يصدر آجلاً وليس عاجلاً-ربما في سبتمبر- للسماح للخليجيين بامتلاك حصص محددة في أسهم الشركات القطرية، فجاء القرار سريعاً قبل أن تغيب شمس آخر يوم في يوليو، وحمل إلى الناس خبراً مفاده أن الموافقة قد مُنِحَت لغير القطريين مقيمين وغير مقيمين بدون استثناء. ومبعث السرور لدى القطريين من القرار ما قد يحمله من أمل في زيادة الطلب على الأسهم القطرية، وبالتالي ارتفاع أسعارها، في حين يفتح القرار أمام غير القطريين فرصاً طيبة للاستثمار لم تكن متاحة من قبل بدون تستر، وذاك مصدر لسرور البعض منهم على الأقل.
الجدير بالذكر أن ثلاث دول خليجية هي البحرين وعمان والكويت قد سبقت في تعديل تشريعاتها بما يسمح لغير المواطنين بامتلاك أسهم بنسبة 100% كحد أقصى من أسهم أي شركة في أي قطاع، باستثناءات محدودة. وسمحت السعودية لمواطني دول المجلس بامتلاك مانسبته 100% كحد أقصى من أسهم أي شركة في جميع القطاعات عدا قطاع البنوك. وسمحت دولة الإمارات بامتلاك الخليجيين من دول مجلس التعاون مانسبته 49% كحد أقصى من أسهم بعض الشركات في قطاعات البنوك والخدمات والصناعة( أي بدون قطاع التأمين)، مع إعطاء الشركات الحق في تحديد نسبة الاستثمار الخليجي في نظامها الأساسي، وجاء التحديد متراوحاً بين 15-49%.
وكانت الحكومة القطرية قد قررت بتاريخ 9 فبراير 2000 السماح لمواطني دول المجلس بتداول أسهم الشركات المدرجة في سوق الدوحة للأوراق المالية في قطاعي الصناعة والخدمات، بنسبة تصل إلى 25% من رأس المال كحد أقصى. وقد قامت خمس شركات قطرية في هذين القطاعين بتعديل أنظمتها الأساسية-عبر جمعيات عمومية غير عادية- للتوافق مع هذا القرار وهذه الشركات هي: الكهرباء والماء، النقل البحري، قطر للسينما، التحويلية، الملاحة. وسمحت شركتا كيوتيل والسلام، للخليجيين وغير القطريين على العموم بالاكتتاب في أسهمهما، وسمحت شركة الإجارة للخليجيين بالاكتتاب في أسهمها، في حين سمحت كل من الشركة الألمانية للمستلزمات الطبية، وشركة المخازن، للخليجيين بتداول أسهمهما بحد أقصى 25% منذ لحظة بدء التداول في السوق. وهكذا فإنه من أصل 30 شركة مدرجة في سوق الدوحة للأوراق المالية، كان المسموح به حتى هذه اللحظة هو امتلاك الخليجيين ما نسبته 25% كحد أقصى من أسهم عشرة من شركات الخدمات والصناعة القطرية فقط، ويتسع السماح في إثنتين منها ليشمل غير القطريين. وتشير البيانات إلى أن المشاركة الفعلية للخليجيين كانت نشطة في شركة واحدة فقط هي كيوتيل بحيث وصلت النسبة إلى 25%، في حين تنخفض النسبة إلى 6.8% في شركة المتحدة للتنمية وإلى 2% في شركة السلام، وإلى أقل من نصف بالمائة في الشركات الأخرى.
وقد جاء قرار سعادة وزير الاقتصاد والتجارة الجديد ليفتح الباب أمام غير القطريين لامتلاك ما نسبته 25% من أسهم أي شركة قطرية في كافة القطاعات بدون تحفظات.

فلماذا كان التحفظ والمنع في السابق، وماهي مبررات ودوافع القرار الجديد-كما نفهمها من سياق التطورات- وما هي التأثيرات المحتملة للقرار على حركة التداول وعلى أسعار الأسهم في السوق؟
المعروف أن انفتاح الأسواق المالية على العالم له إيجابياته من حيث العمل على جذب رؤوس الأموال لاستثمارها في مشروعات محلية، وما يتبع ذلك من تحسين الحساب الجاري للدولة مع العالم، فضلاً عن زيادة الطلب على الأسهم المحلية وما يؤدي إليه ذلك من ارتفاع في أسعارها. وفي المقابل فإن هذا الانفتاح قد يكون له سلبياته التي تتمثل في احتمال زيادة المضاربة على الأسهم المحلية وما قد ينتج عنه من انخفاض في الأسعار في بعض الفترات، وما قد يتبع ذلك من تأثيرات سلبية على الحساب الجاري للدولة و على سعر صرف عملتها، وعلى الاستقرار المالي فيها إذا ما حدث نزوح جماعي ومفاجئ للأجانب من السوق، كما حدث في مناطق أخرى من العالم وآخرها تجربة جنوب شرق آسيا عام 1997.
والملاحظ أن التوجه القطري والخليجي بوجه عام نحو فتح أسواق الأسهم أمام مواطني دول مجلس التعاون-وبعضها أمام كل الجنسيات- قد جاء محصلة لعدد من العوامل والمستجدات نذكر منها:
1- انضمام معظم الدول الخليجية إلى منظمة التجارة العالمية ودخولها بالتالي مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي على العالم، وسعيها إلى تعديل تشريعاتها بما يساعد على تشجيع دخول الإستثمارات الأجنبية إلى بلدانها.
2- تطور أسواق الأسهم في دول مجلس التعاون، وتحولها في البعض منها –كما في قطر منذ عام 1997- إلى أسواق رسمية منظمة، وإزدياد عدد الشركات المدرجة في هذه الأسواق، وتضاعف حجم التداول والقيمة الرأسمالية للأسهم فيها بين سنة وأخرى.
3- التطور التكنولوجي المذهل في مجال الحواسيب والإتصالات، وهو ما سهل إمكانية متابعة حركة التداول عن بُعد عبر الإنترنت والهواتف الجوالة والفاكس.
4- ما أفرزته أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة من تضييق على الأموال الخليجية في الخارج، وعودة جانب كبير منها إلى المنطقة بحثاً عن ملاذ آمن، وعن مجالات أفضل للاستثمار بعد الخسائر الكبيرة التي لحقت بها في البورصات الغربية عامي 2001 و2002.
5- تسارع الخطى على المستوى الخليجي لتحقيق التكامل الاقتصادي بين دول المجلس، حيث تم إقرار العمل بالاتحاد الجمركي بينها، والتثبيت المشترك لعملاتها مقابل الدولار، والسعي في الوقت الحاضر لاستكمال الإجراءات اللازمة لتحقيق الإتحاد النقدي الخليجي.

وفي قطر لم تكن الأوضاع في سوق الأسهم تستدعي حتى وقت قريب اتخاذ قرار بالسماح لغير القطريين بامتلاك الأسهم القطرية، وذلك بالنظر إلى حداثة السوق وصغر حجمها وقلة عدد الشركات المسجلة فيها. ورغم أنه قد حدث تطور كبير في تلك المعطيات منذ عام 2003، من حيث زيادة عدد الشركات الجديدة وضخامة رؤوس أموال البعض منها، وتوسع شركات قائمة في إصدار أسهم جديدة، إلا أنه في مواجهة ذلك كانت الأموال القطرية العائدة من الخارج كبيرة جداً، وأُضيف إليها أموال لغير القطريين دخلت السوق متسترة بأسماء قطرية. وساعد هذا الطلب الكبير على الأسهم في تحقيق ارتفاع غير مسبوق في مستوى أسعار الأسهم في الفترة ما بين يوليو 2003 إلى نهاية أبريل 2004.
وبدا بعد ذلك أن الأمور قد بدأت تأخذ منحىً جديداً بتراجع أسعار الأسهم في الفترة ما بين مايو إلى الأسبوع الأول من يوليو. وكان هناك على ما يبدو تحسباً من أن يؤدي التوسع الكبير في تأسيس الشركات الجديدة،- ومنها شركة نقل الغاز- إلى استنفاد السيولة المتاحة في السوق، خاصة مع صدور قانون التستر وما سينتج عنه من خروج للأموال المتسترة من قطر.
من هنا كان لا بد من مواجهة الموقف بقرار جريء يخلق واقعاً جديداً في السوق بما يساعد على وقف تراجع الأسعار ويعمل على رفعها. فالرأي الذي كان سائداً بين الناس أن إقتراب موعد الاكتتاب في شركة نقل الغاز سوف يدفع الناس مبكراً إلى بيع ما لديهم من أسهم لتوفير السيولة اللازمة للاكتتاب-باعتبار أن ذلك أكثر ربحية من الاحتفاظ بالأسهم الأخرى- وكان من شأن ذلك لو حدث أن يعجل بانخفاض أسعار أسهم معظم الشركات المدرجة في السوق. ومن هنا جاء القرار السريع بالسماح لغير القطريين بامتلاك ما نسبته 25% من أسهم الشركات القطرية، حتى يطمئن المتعاملين ويشجعهم على الاحتفاظ بما لديهم من أسهم، طالما أن هناك أموال جديدة غير قطرية ستدخل السوق بصورة شرعية، وستعمل على استقرار الأسعار على الأقل.
والواقع أن هذا القرار قد جاء في وقت يشهد فيه الحساب الجاري القطري فائضاً كبيراً لعدة سنوات متتالية نتيجة للارتفاع الكبير في أسعار النفط، كما أن الوضع المالي للدولة في أحسن حالاته، واحتياطي مصرف قطر المركزي يزيد عن أربعة أمثال النقد المصدر. ومن هنا فإن القرار يعكس ثقة كاملة من جانب السلطات المسؤولة في الدولة في متانة الوضع المالي للدولة وقدرة الاقتصاد القطري على تجاوز أي آثار سلبية قد تنتج عن تطبيقه. كما أن القرار يتفق مع توجه الدولة الساعي إلى جذب رؤوس الأموال الأجنبية، وسماحها لغير القطريين أصلاً بالمشاركة في النشاط الاقتصادي ضمن شراكة مع القطريين بحصة تصل إلى 49%، وقد تصل إلى 100% في حالات خاصة. ومع ذلك فقد تحوطت الحكومة لأي نتائج سلبية للقرار، فجاء قرار سعادة وزير الاقتصاد والتجارة بأن يكون السماح لغير القطريين بتملك الأسهم القطرية بحد أقصى 25% وليس 49% أو 100% كما في دول خليجية أخرى. وقد يكون ذلك من باب التحوط، أو ربما للتعرف على النتائج قبل زيادة النسبة مستقبلاً إذا ما سارت الأمور على نحو جيد.
ولقد سارت الأمور على ما يرام في الأيام التالية لصدور القرار، حيث ارتفعت أسعار أسهم بعض الشركات وارتفع المؤشر بشكل يومي. ومع ذلك قد لا يظهر التأثير الكامل للقرار قبل أن تبدي الشركات المساهمة إهتماماً بتنفيذه من خلال الدعوة إلى عقد جمعيات عمومية غير عادية في أقرب وقت، وقبل ذلك لن يُسمح لغير القطريين بامتلاك الأسهم في السوق. الجدير بالذكر إن شركة اتصالات قطر هي الشركة الوحيدة التي يساهم فيها غير القطريين بنسبة 25% من رأسمالها فعلياً، ولذلك نجد أن سعر سهم هذه الشركة قد تراجع في الأيام التالية لصدور القرار، بعد أن سجل ارتفاعاً كبيراً في الأسبوعين السابقين له.
ومن المؤكد أن القرار الجديد يعد عاملاً إيجابياً في تعزيز الطلب على الأسهم المحلية، ويلغي عملياً الأثر السلبي الذي تركه قانون التستر على الأموال التي كانت تدخل البلاد بأسماء غير قطرية. ومن جهة أخرى قد يكون لهذا القرار انعكاسات سلبية على موضوع الصناديق الاستثمارية، فإذا كانت هذه الصناديق تستهدف استقطاب غير القطريين الذين لم يكن بامكانهم امتلاك الأسهم القطرية، فإن هذا المبرر قد فقد مشروعيته بصدور هذا القرار. ويظل مع ذلك لهذه الصناديق حجة منطقية في أنها تقدم لغير القادرين على التعامل في الأسهم فرصة للحصول على عائد معقول دون المخاطرة بالمتاجرة في مجال لا يجيدونه.

ملامح الاقتصاد القطري في عام 2004

في ذكرى يوم الاستقلال المجيد نرفع لأمير البلاد المفدى حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة حفظه الله وولي عهده الأمين سمو الشيخ تميم بن حمد ورئيس مجلس الوزراء سمو الشيخ عبدالله بن خليفة ونائبيه وكافة الوزراء واعضاء مجلس الشورى والشعب القطري الكريم أسمى آيات التهاني والتبريكات، سائلين المولى عز وجل ان يديم الصحة على الجميع وأن يحفظ هذا البلد وأهله وان تستمر مسيرة الخير نحو المزيد من التقدم والرخاء.
واول ما يتبادر الى الذهن في مثل هذا اليوم الأغر ان نتوقف ولو للحظات كي نرسم صورة بالكلمات والأرقام لواقعنا الاقتصادي المشرق من جوانبه المختلفة، فكيف تبدو صورة الاقتصاد القطري عشية عيد الاستقلال؟

إن من حسن الطالع أن يكون سعر نفط قطر البري قد اقترب في شهر اغسطس من 40 دولاراً للبرميل وهو اعلى سعر يسجله النفط الخام في تاريخه تقريباً، وكان السعر المتوسط لشهر يوليو قريباً من 37 دولاراً للبرميل. هذا الارتفاع الكبير في سعر النفط قد تزامن مع ارتفاع في معدلات الانتاج تحت ضغط الطلب العالمي المتزايد على النفط بحيث يكون الانتاج قد تجاوز 800 ألف ب/ي في الشهرين الأخيرين. ومن حيث انتاج الغاز المسال نجد ان بدء تصدير الغاز الى الهند هذا العام قد رفع الطاقة التصديرية الى 18 مليون طن سنوياً من الغاز المسال LNG، مع توقع ارتفاعها الى 20 مليون طن في العام القادم.

وقد تميز هذا العام بدخول مشروع الأوريكس مرحلة التشييد، باعتباره اول مشروعات تحويل الغاز الى وقود سائل GTL بطاقة 34 ب/ي. وعندما يبدأ هذا المشروع مرحلة الانتاج في عام 2009 ستكون دولة قطر قد نوعت من اساليب استغلال ثروتها الغازية بين عدة بدائل ولا تقتصر فقط على عمليات التسييل ، وذلك انجاز مهم لتنويع مصادر الدخل في المستقبل.

ومع تنامي انتاج وصادرات النفط والغاز هذا العام وارتفاع سعريهما الى مستويات قياسية، فإن الناتج المحلي القطري، وهو ناتج كافة القطاعات الاقتصادية – سوف يشهد في عام 2004 قفزة كبيرة قد ترفعه الى 85 مليار ريال أو أكثر بمعدل نمو يزيد عن 14% عن ناتج عام 2003 البالغ 74.3 مليار ريال. ومن المتوقع ان تكون القطاعات الاخرى غير النفطية قد سجلت تحسناً ملحوظاً في هذا العام نتيجة لعوامل ايجابية كثيرة.

فالسياسة المالية للحكومة سياسة توسعية حيث تجاوز الإنفاق العام للدولة هذا العام – كما رأيناه في الموازنة العامة – مستوى 28 مليار ريال، ومن المتوقع ان يكون الإنفاق الفعلي اكثر من ذلك ويصل الى 30 ملياراً.

والسياسة النقدية لمصرف قطر المركزي هي سياسة توسعية في ظل الانخفاض الكبير في معدل الفائدة قصيرة الأجل على الريال.. ورغم الزيادة التي طرأت على سعر المصرف خلال الصيف بواقع 52 نقطة أساسآً أو نصف بالمائة، فإن معدلات الفائدة لا تزال في حدود 2%.

وقد حققت الشركات المساهمة التي تمثل جانباً مهماً من القطاعات غير النفطية زيادة كبيرة في ارباحها لفترة النصف الأول من العام بحيث اقتربت الارباح من 4 مليارات ريال مقارنة بـ 5 مليارات ريال في عام 2003 ككل، وسجل مؤشر سوق الدوحة للأوراق المالية في الربع الأول من العام مستوى قياسياً بتجاوزه 6000 نقطة بقليل، ورغم ان المؤشر تراجع منذ بداية الصيف بنحو 15% فإنه عاد الى الارتفاع في شهري يوليو واغسطس واقترب من مستواه القياسي هذا الاسبوع بتأثير ارتفاع اسعار البنوك وشركات التأمين، وينتظر المتعاملون ان يكون الموسم الجديد حافلاً بالمفاجآت سواء على صعيد الاكتتاب في اسهم شبكة ناقلات الغاز او دخول غير القطريين لساحة التداول في السوق بعد قرار وزارة الاقتصاد والتجارة بالموافقة على تملكهم حصة تزيد على 25%. كما ينتظر المتعاملون تدشين عدد من الصناديق الاستثمارية في الربع الأخير من العام الحالي. ومن ملامح الواقع الاقتصادي في دولة قطر هذا العام ما شهده سوق العقارات من طفرة كبيرة في النصف الأول من العام كمحصلة لعوامل كثيرة بعضها طبيعي من نتاج النهضة العمرانية وزيادة النمو الاقتصادي وزيادة عدد السكان الى «743 الف نسمة، وبعضها راجع الى توفير وانخفاض معدلات الفائدة، وبفعل عمليات المضاربة التي قام بمعظمها غير قطريين بأسماء قطرية. وبعد صدور قانون التستر هذا الصيف، مالت اسعار العقارات الى الانخفاض مثلها في ذلك مثل اسعار الأسهم، وإن كانت الاسعار لاتزال مرتفعة جداً بالقياس بما كانت عليه في العام الماضي ومن المتوقع ان تشهد مزيداً من الارتفاع بعد السماح الجزئي لغير القطريين بتملك عقارات في اماكن سياحية محددة.

وقد كان لارتفاع اسعار العقارات تأثير سلبي لجهة ارتفاع معدلات الإيجارات وارتفاع نسبة التضخم قريباً من 5% في النصف الأول من العام وساعد انخفاض سعر صرف الريال القطري مقابل اليورو والين في النصف الاول من العام على المزيد من الارتفاع في اسعار السلع المستوردة ونسبة التضخم. ومنذ شهر مايو الماضي مال الدولار الى الاستقرار والتذبذب ضمن هامش معين خاصة بعد ان بدأت معدلات الفائدة على الدولار في الارتفاع.