الأرشيف الشهري: يوليو 2009

دروس واستخلاصات من الاكتتاب في أسهم فودافون

بشير يوسف الكحلوت

النتائج التي أسفر عنها التداول على أسهم شركة فودافون في يومه الأول وفي أسبوعه الأول تشير بوضوح إلى انتهاء حقبة من الزمن بدأت مع الاكتتاب في أسهم صناعات عام 2003 وبلغت ذروتها في عام 2005 في اكتتاب أسهم ناقلات ودلالة، عندما كان سعر السهم عند طرحه للتداول يزيد عن أضعاف سعر الاكتتاب دونما مبرر لذلك، اللهم إلا وجود طلب مرتفع جداً تدعمه سيولة عالية؛ محلية وأخرى أجنبية. وقد جاء الاكتتاب في أسهم شركة فودافون في ظروف مغايرة تماماً للظروف التي سادت في الفترة السابقة 2003-2008 باستثناء عام 2007 ، وكان من الطبيعي أن تكون النتائج مختلفة خاصة وأن الاكتتاب قد أُستكمل بالكاد وحصل كل مكتتب على ما طلبه من أسهم ، ومن ثم لم يكن هناك مبرر لطرح السهم في أول أيام التداول بأكثر من قيمته الإسمية البالغة عشرة ريالات. ومع ذلك كان هناك من يتوقع أن يُطرح السهم بعشرين أو ثلاثين ريالاً في اليوم الأول وأن يتناقص بعد ذلك بحيث يقترب من سعر الاكتتاب!!!!.

وقد طلب مني كثيرون أن أكتب عن توقعاتي لسعر التداول كما فعلت في مرات سابقة مع صناعات وناقلات وغيرها، فرفضت لإدراكي أن ما أكتبه لن يعجب المكتتبين وسيجلب عليَّ نقمتهم، بل وربما قد يتهمني بعضهم بالمسؤولية عن التأثير على السوق وفي انخفاض السعر، ولهذا آثرت الصمت. ولقد كان تقديري أن عدد من العوامل الراهنة ستحول دون ارتفاع السعر فوق مستوى سعر الاكتتاب ومن هذه العوامل ما يلي:

1- أن الاكتتاب قد تمت تغطيته بالكاد، لوجود من شكك في سلامة الاكتتاب من الناحية الشرعية، وبالتالي فإن الموقف هنا يختلف عن الحالات السابقة التي تمت تغطيتها بأضعاف القيمة المطروحة للاكتتاب.

2- أنه رغم قيام البنوك بما في ذلك البنوك الإسلامية بتمويل عمليات الاكتتاب للمواطنين، إلا أن ذلك كان في إطار محدود حيث اقتصر على القطريين دون الخليجيين، كما أن تداعيات الأزمة العالمية كانت واضحة الأثر في فترة الاكتتاب مما قلص الرغبة لدى الجمهور في الاكتتاب إلا بالحد الأدنى ودونما الحاجة إلى الاقتراض أو السعي إلى شراء البطاقات لملئها بالحد الأقصى كما حدث في اكتتاب ناقلات.

3- أن أسعار الأسهم في السوق بوجه عام كانت في حالة تدهور، وذلك أثر على ثقة الجمهور في إمكانية تحقيق أرباح سريعة من وراء الاكتتاب، كما أن هذا الانخفاض في أسعار الأسهم -في فترة الاكتتاب-إلى ما يقارب أسعارها الإسمية، قد كان سبباً كافياً للظن بعدم ارتفاع سعر سهم فودافون عند طرحه للتداول. ولقد ذهب بعض من اتصلوا بي في فترة الاكتتاب إلى السؤال عما إذا كان من المتوقع أن يهبط سعر السهم دون سعر الاكتتاب، فأكدت لهذه الفئة من الناس أن ذلك لن يحدث لعدة أسباب من بينها أن من اشترى بأكثر من عشرة ريالات للسهم لن يكون مغرماً للبيع عند طرحه للتداول بخسارة، كما أن ضعف حجم الاكتتاب الذي كان بادياً بوضوح يشير إلى أن عنصر الاقتراض بهدف الربح السريع كان غائباً في هذا الاكتتاب، مما يقلل من نشوء ضغوط على سعر السهم عند طرحه للتداول. ومن جهة أخرى فإن كبار المستثمرين المكتتبين في أسهم الشركة-وبعضهم شركات كبيرة لها وزنها- سوف يعملون على مقاومة هبوط السعر دون قيمته الإسمية. وربما كان هذا العامل هو الدافع لارتفاع سعر السهم إلى 13 ريالاً في الساعة الأولى للتداول في اليوم الأول قبل أن يتراجع السعر إلى أقل من أحد عشر ريالاً.

والحقيقة أنه طالما كان هناك من يمتلك ملايين الأسهم من فودافون، فإن إقدام البعض منهم على شراء عشرات الآلآف من الأسهم الإضافية لرفع السعر في السوق، يكون أمراً متوقعاً، باعتبار أن ذلك يدفع الجمهور إلى الشراء ويمنع المكتتبين من البيع أملاً في البيع بأعلى سعر، خاصة وأن السعر يكون معوماً في اليوم الأول. ولكن بسبب الحقائق القائمة في السوق والمشار إليها أعلاه فإن هذه العمليات لم تستمر لأكثر من ساعة، وسرعان ما انقلب الحال وعاد المشترون إلى البيع، قبل أن يجني غيرهم ثمار ما زرعوه.

وقد يكون من العوامل التي ستساعد على استقرار سعر السهم في الأسابيع القادمة أن أسعار الأسهم بوجه عام ستميل إلى الارتفاع لعوامل محلية شرحتها في مقالي السابق ولظروف عالمية مستجدة بدأت ترجح خروج الاقتصاد الأمريكي من الأزمة مع نهاية العام الحالي أو قبله. كما أن بعض العوامل الذاتية في الشركة ستساعد سهمها على الاستقرار والارتفاع في الأسابيع القادمة ومن ذلك سمعة الشركة وقدرتها على ترويج مبيعاتها واستقطاب جزء مهم من الجمهور لخدماتها وخاصة لجهة خفض تكلفة الدقيقة الواحدة في المكالمات الدولية إلى نصف ريال.

واختم هذا المقال بالقول بأن اكتتاب فودافون قد أعاد الأمور إلى نصابها بحيث خلص عملية الاكتتاب ذاتها من المضاربة الضارة التي ألحقت الضرر بكثير من المستثمرين الذين أشتروا بأضعاف القيمة الحقيقية لقيمة السهم في شركات أخرى. فالتهافت على شراء أسهم ناقلات بأكثر مما هو مطلوب قد ولد طلباً شديداً رفع سعر السهم إلى ما بين 10-16 ضعف سعر الاكتتاب في الشهور الأولى وليس فقط الأسبوع الأول، رغم أن الشركة أكدت للجميع أنه لن توزع أرباح قبل عام .2010، إلا أن عدم فهم حقائق الأشياء قد تسبب في مثل هذه الأخطاء، ولم يكن من الممكن تصحيح تلك المفاهيم إلا بعد مرور نحو ست سنوات. وعلى ذلك يمكن القول الآن أن الأسعار في السوق تبدو منطقية وأن نموها سكون منطقياً بقدر ما تحقق الشركات من أرباح وما تعكسه ميزانياتها من أوضاع قوية. وبعد فهذا رأيي فيما حدث عند طرح أسهم فودافون للاكتتاب ثم عند طرحها للتداول، ولا أظنه إلا رأياً صواباً رغم أنه قد يحتمل الخطأ

هل يقف السوق على أبواب ارتفاعات جديدة؟

كان ارتفاع السوق في الأسبوع الماضي نتيجة منطقية بعد عدة أسابيع من التراجع خسر فيها المؤشر نحو 1500 نقطة. وقد أشرت في مقال الأسبوع الماضي إلى أن سبب الانخفاض في يونيو كان محصلة لقيام الإجانب –وخاصة المؤسسات- بالبيع الصافي طيلة تلك الفترة، وأن تبدل الأحوال سوف يؤدي إلى ارتفاع جديد في المؤشر والأسعار وهو ما حدث بالفعل. وقد أدى الإعلان عن أرباح بعض الشركات خلال الأسبوع وما اشتملت عليه من نتائج ممتازة رغم ظروف الأزمة العالمية إلى حدوث موجة ارتفاعات قوية لأسعار أسهم معظم الشركات. وعلى الرغم من عمليات جنى الأرباح التي حدثت يوم الخميس والتي هبطت بالمؤشر إلى نصف ما حققه من ارتفاع في ذلك اليوم، فإن المعطيات لا زالت تشير إلى أن مسلسل الارتفاع سوف يستمر في هذا الأسبوع للأسباب التالية:

1- أن عمليات البيع التي حدثت على مدى أربعة أسابيع قد استنفدت زخمها بعد وصول المؤشر والأسعار إلى مستويات يصعب الهبوط دونها. فقد بات من الواضح على سبيل المثال أن سعر سهم المصرف لا يستقر عند مستوى 65 ريالاً للسهم وأنه يرتفع بشدة كلما اقترب من ذلك المستوى، وحدث نفس الشيئ مع الوطني عند مستوى 109 ريالاً والدولي عند مستوى 38 ريالاً، وصناعات عند مستوى 85 ريالاً….. وقس على ذلك بقية أسعار أسهم الشركات.

2- أن مؤشر سوق الدوحة لا يزال دون مستوى إغلاق العام الماضي بما نسبته 7.2%، وذلك رغم انتصاف العام مما يجعل هناك إمكانية لارتفاع المؤشر في الشهور المتبقية من العام على مرحلتين احداهما في هذه الفترة وربما الثانية في شهر أكتوبر القادم بعد صدور نتائج الربع الثالث من العام.

3- أن حدثاً مهماً قد اقترب زمانه يتمثل في الإفصاح عن أرباح الشركات المساهمة، مع إشارات إلى أن هذه الأرباح تميل في مجملها إلى نتائج جيدة –ولا أقول ممتازة- ولكنها جيدة أو حتى مقبولة في زمن يقدر فيه الجميع أن زمن النتائج الممتازة أو الاستثنائية والغير عادية قد انتهى. والمقبول في هذا الزمان أن تتراجع أرباح شركة مثل قطر للتأمين بنسبة 18% عن النصف المناظر من العام 2008، وأن تتراجع أرباح البنك الإسلامي الدولي بنسبة 27%، والمصرف بنسبة 5% والبنك التجاري بنسبة 9%. مثل هذه التراجعات وغيرها في شركات أخرى باتت مقبولة إذا ما قورنت بنتائج النصف الثاني من العام 2008 التي بلغت الذروة في حينها. وفي زمان مثل الذي نحن فيه تعاني الشركات في العالم من آثار الأزمة وتبعاتها، فإن قدرة الشركات القطرية على تحقيق أرباح قوية يجعلنا نردد التعبير اللبناني الشائع في مثل هذه الظروفكتر خير الله. وإذا كانت الشركات قد عادت إلى تحقيق أرباح مهمة فإن معنى ذلك أن عجلة النشاط قد دارت بعد توقفها لعدة شهور، وأنها لعوامل أخرى كثيرة مرشحة للاستمرار في الدوران في الشهور القادمة.

4- أن كثير من التطورات المتلاحقة تشير إلى قوة غير عادية في الاقتصاد القطري بدليل ما ينشر عن صفقة الاستحواذ على 15-20% من أسهم شركة فولكس واجن الألمانية وعن مشروعات بروة في الداخل والخارج. ويدعم هذه التوجهات استقرار سعر النفط فوق مستوى 60 دولاراً للبرميل وهو ما يزيد عن متوسط السعر التقديري لبرميل النفط في موازنة العام الحالي 2009/2010.

5- أن التقاريرالعالمية باتت ترجح خروج الاقتصاد الأمريكي من الركود مع نهاية العام الحالي ، وأن بعض كبريات البنوك قد استعادت قدرتها على تحقيق أرباح عالية في الربع الثاني من العام الحالي.

على ضوء ما تقدم نشير إلى أن اسعار الأسهم مرشحة لمواصلة الارتفاع في الأسبوع الحالي، خاصة وأن الطريق ممهد الآن للوصول إلى 7450 نقطة مرة أخرى، وهو المستوى الذي سبق أن وصل إليه المؤشر في بداية شهر يونيو الماضي. والحقيقة أن الأجانب – وخاصة المؤسسات- قد كانوا في الأسبوع الماضي في جانب المشترين (صافي) بما مجموعه 11.6 مليون ريال، وهذه الفئة من المتعاملين لا تغير اتجاهها بسرعة من جانب إلى آخر بل تعمل على بناء مراكز لعدة أسابيع على الأقل قبل أن تفكر في عمليات جني أرباح.

ومن جهة أخرى يبدو القطريون أكثر تمسكاً بأسهمهم في المرحلة الراهنة بعد أن ثبت لهم أن أسوأ ما في الأزمة العالمية قد إنقشع غباره وأن البيع عند هذه المستويات المنخفضة نسبياً ليس من الحكمة في شيئ. وهذه المبررات التي وردت أعلاه تجعلني أرجح ارتفاع الأسعار في الأسبوع الحالي واقتراب السوق من مؤشر 7000 نقطة أو حتى تجاوزها.

ومع ذلك يظل هذا رأيٌ شخصي يحتمل الصواب والخطأ، وقد يحدث العكس في حال حدث ما لم يكن في الحسبان، وإن كنت أظن أن ما قلته هو الصواب في هذه المرحلة.

تراجع مؤشر السوق… الأسباب والتوقعات

بقلم بشير يوسف الكحلوت/مستشار اقتصادي

تنفس المتداولون الصعداء يوم الخميس بارتفاع مؤشر السوق وأسعار الأسهم بعد عدة أسابيع من التراجع شبه المستمر، بحيث فقد المؤشر نحو 1500 نقطة في أربعة أسابيع ما بين بداية الأسبوع الثاني من يونيو ونهاية اليوم الثامن من يوليو الحالي، فما الذي دفع الأسعار إلى التراجع ، وهل من أمل في عودتها للارتفاع مرة أخرى في الأسابيع القادمة؟

لا بد أن نشير بداية إلى أن التراجع في الأسعار والمؤشر على مدى الأسابيع الماضية كان مخيباً لآمال الكثيرين الذين أعادتهم الارتفاعات المتتالية للأسعار منذ بداية شهر مارس- أي في ثلاثة شهور متتالية- إلى السوق ثانية على أمل تعويض ما فاتهم أو ما أصابهم من خسائر مؤلمة منذ خريف عام 2008. وكانت القرارات الحكومية المتعاقبة لشراء محافظ الأسهم ثم شراء المحافظ العقارية والاستثمارات العقارية المتعثرة لدى البنوك أكثر من حافز على تلك العودة باعتبار أنها دليل على خروج البنوك من تداعيات الأزمة المالية العالمية. وفي تلك الفترة كانت أسعار النفط تعود إلى الارتفاع بقوة بحيث تضاعف سعر البرميل ما بين بداية العام وشهر يونيو بوصول السعر إلى أكثر من 70 دولاراً للبرميل. وكانت هذه التطورات كفيلة برسم صورة وردية لواقع الاقتصاد القطري في وقت كان العالم فيه –ولا يزال- يعاني من تبعات الأزمة العالمية. ومن هنا يمكن القول إن التراجع في الأسعار ومؤشر السوق على مدى الأسابيع الماضية كان مستغرباً بعض الشيئ ، خاصة بعد أن تمكن المؤشر من اختراق حاجز 7000 نقطة.

وقد استشعرت في وقت سابق خطورة ما يجرى، وكتبت مقالاً يوم 21 يونيو أنبه فيه إلى أن الأسعار قد تهبط إلى ما دون 6500 نقطة وأن ذلك إذا ما حدث فسوف يضغط على المؤشر أكثر باتجاه المزيد من التراجع، وهو ما حدث بالفعل في الأيام الأخيرة عندما هبط المؤشر إلى ما دون 5900 نقطة.

وهناك من يرى أن ما حدث من تراجع في الأسعار كان نتيجة مباشرة لقرارات صادرة عن هيئة السوق تمنع تداولات الوكلاء نيابة عن المستثمرين، وأن صدور هذه القرارات قد استتبع بالضرورة عمليات تصفية مراكز وتوقف كبار الوكلاء منهم عن التداول أو عن إبرام صفقات جديدة مما أضعف حجم التداول وهبط بالأسعار والمؤشر على نحو ما أشرنا.

وهناك من يرى في المقابل أن الأسعار قد هبطت بعد أن بدأ الأجانب عمليات بيع لجني الأرباح بعد أن تبين لهم أن المؤشر لن يتمكن من تحقيق ارتفاعات مهمة بعد تجاوزه مستوى 7450 نقطة في الأسبوع الأول من يونيو الماضي. وتؤكد الأرقام المتاحة عن هذا الموضوع صواب ما ذهب إليه هذا الفريق من المحللين.

فالمعروف أن صافي تعاملات الأجانب في شهري يناير وفبراير كانت سالبة- أي بالبيع الصافي- بقيمة 450 مليون و 144 مليون ريال على التوالي، وكان ذلك أحد أسباب تراجع الأسعار في تلك الفترة. ثم عاد الأجانب إلى السوق ثانية بما مجموعه 243 مليون ريال( شراءصافي)، في شهر مارس وتضاعف الرقم إلى 480 مليون ريال في شهر ابريل، ثم زاد بمقدار 547 مليون ريال في شهر مايو.

وواصل الأجانب عمليات الشراء المكثف في الأسبوع الأول من يونيو بما قيمته 266 مليون ريال صافي، وتزامن ذلك مع وصول المؤشر إلى القمة التي أشرت إليها وهي 7450 نقطة. وفي الأسبوع الثاني كان زخم مشتريات الأجانب الصافية من الأسهم قد تراجع إلى 41 مليون ريال فقط، ثم انعكس الإتجاه في الأسابيع التالية ليتحول إلى بيع صافي بقيمة 50 مليون ريال في الأسبوع الثالث من يونيو، ثم بيع صافي بقيمة 89 مليون ريال في الأسبوع الأخير. وقد تزامن هذا التحول من الشراء إلى البيع مع ما شهده السوق من تراجع في الأسعار. ورغم أن الأسبوع الأول للتداول في يوليو – أي يومي الأربعاء والخميس الأول والثاني من يوليو قد شهدا عودة من جانب الأجانب للشراء الصافي بما قيمته 53 مليون ريال إلا أن ذلك لم يدم وعاد الأجانب للبيع الصافي خلال الأسبوع الثاني من يوليو بما مجموعه 45 مليون ريال.

هذه الأرقام المجمعة من تقرير منشور على الموقع المتخصص أرقام دوت كوم تشير بما لا يدع مجالاً للشك إلى أن تحول الأجانب إلى البيع على مدى الأسابيع الأربعة الماضية تقريباً قد ضغط على الأسعار وعكس اتجاه السوق .على أن ذلك لا يمنع أن يكون للعامل الأول المتمثل في قرارات السوق القاضية بمنع الوكلاء من التعامل في السوق أثره الإضافي في إضعاف حجم التداول والضغط سلباً على الأسعار.

وإذا كان انخفاض الأسعار والمؤشر دون مستوى 6000 نقطة خلال الأسبوع الماضي قد ساعد على توقف عمليات البيع، فإن عودة الأجانب إلى الشراء لتكوين محافظ جديدة عند هذه المستويات المنخفضة للأسعار قد يعيد التوازن المفقود للسوق ويحول دون استمرار هبوط المؤشر. ومع ذلك أجد أنني أقف مع المطالبين بحل وسط لموضوع الوكلاء بما يدفع أو يعزز من حجم التداول . ولا يمنع ذلك بالطبع من البحث في صيغ مقبولة لحفظ الحقوق ومنع التجاوزات التي قد تنشأ في حالات محدودة. وإذا ما صدرت تصريحات بهذا الخصوص عن النية لمراجعة الموضوع، فإنها ستدفع باتجاه ارتفاع الأسعار والمؤشر في الأسابيع القادمة.

وبعد فذلك رأيي الخاص، وهو كما ترون يحتمل الصواب والخطأ، وإن كنت أميل إلى ترجيح صوابه، والله من وراء القصد…

الاقتصاد القطري بين التراجع الإسمي والزيادة الحقيقية في الناتج

بقلم بشير يوسف الكحلوت

مستشار اقتصادي بمنظمة الخليج للاستشارات الصناعية

تراجع الناتج المحلي الإجمالي القطري في الربع الأول من العام بما نسبته 17.5% عما كان عليه في الربع المناظر من العام 2008 وبنسبة 8.7% عن الربع السابق، فهل تخالف هذه البيانات الرسمية الصادرة عن جهاز الإحصاء القطري، ما كان يتردد في الشهور السابقة من أن الاقتصاد القطري سيكون استثناءاً بين الاقتصادات في المنطقة ويحقق معدل نمو مرتفع في عام 2009 تراوحت تقديراته ما بين 7-14%؟

الحقيقة أن الأرقام المعلنة هي عن الربع الأول من العام فقط وليس لكل العام، وهي بالأسعار الجارية وليست بالأسعار الثابتة ، أما التصريحات السابقة التي صدرت عن نمو الاقتصاد القطري وبعضها منسوب لصندوق النقد الدولي فهي عن نمو حقيقي وليس نمو إسمياً أي باستبعاد أثر التغير في الأسعار.

ومن هنا فإن الأرقام التي صدرت في الأسبوع الماضي والتي أظهرت تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 17.5% على معدل سنوي-أي بالمقارنة بأرقام نفس الفترة من العام 2008- فهي صحيحة كونها محسوبة بالأسعار الجارية وتأخذ بعين الاعتبار أن أسعار النفط قد انخفضت بشدة ما بين الربع الأول من العام 2008 والربع الأول من العام 2009، ناهيك عن تراجع انتاج قطر من النفط الخام التزاماً بقرارات منظمة الأوبك. والحقيقة أنه باستثناء ناتج قطاع الصناعة التحويلية الذي انخفض أيضاً بما نسبته 18.2 على معدل سنوي، فإن نواتج بقية القطاعات قد سجلت زيادات متفاوتة عما كانت عليه في الربع الأول من العام 2008.

فناتج قطاع التشييد والبناء الذي من الصعب تصور توقفه فجأة لارتباطه بعقود يستلزم تنفيذها سنوات، سجل زيادة بنسبة 20.7% عن الربع المناظر وإن كان معدل نموه عن الربع السابق قد تباطأ إلى 2.9% فقط. وسجل ناتج قطاع الكهرباء والماء الذ يرتبط عادة بقطاع التشييد والبناء، زيادة بنسبة 12.6% عن الربع المناظر و 8% عن الربع السابق. وسجلت القطاعات الأخرى زيادات ملموسة عن الربع المناظر وإن كانت في الوقت نفسه قد بدأت تتراجع عن المستويات العالية التي بلغتها في الربع الرابع من العام 2008. فقطاع النقل والإتصالات نما بنسبة 19.8% عن الربع المناظر وتراجع بنسبة 5.9% عن الربع السابق، وقطاع المال والتأمين والعقارات وخدمات الأعمال قد نما بنسبة 36% عن الربع المناظر في عام 2008، ولكنه تراجع بنسبة 1.5% عن الربع السابق، وقطاع التجارة والمطاعم والفنادق قد نما بنسبة 9.3% عن الربع المناظر وتراجع بنسبة 5.1% عن الربع السابق.

المحصلة أن التراجع في أسعار النفط قد أدى إلى حدوث تراجع في الناتج المحلي الإجمالي القطري بالأسعار الجارية هو الأول من نوعه منذ سنوات طويلة، ليس ذلك فقط وإنما حدوث تراجع في نسبة مساهمة قطاع النفط والغاز في إجمالي الناتج المحلي الإجمالي إلى 43.2% فقط مقارنة ب 61% في عام 2008.

وهذه الصورة مرشحة للتغيير جزئياً في الربع الثاني من العام استناداً إلى مجموعة من المعطيات الهامة من بينها:

1- أن متوسط سعر النفط في الربع الثاني من العام قد ارتفع إلى قرابة 60 دولاراً في المتوسط مقارنة بأقل من 40 دولار للبرميل في الربع الأول. هذه الزيادة التي تصل نسبتها إلى أكثر من 35% ستكون إيجابية وفي صالح زيادة الناتج المحلي الإجمالي عن الربع الأول.

2- أن أسعار المنتجات الصناعية قد تحسنت عما كانت عليه في الربع الأول من العام.

3- أن أداء قطاع البنوك من المفترض أن يكون قد تحسن في الربع الثاني نتيجة البرامج التي اعتمدتها الحكومة ومن بينها شراء المحافظ العقارية الخاسرة من البنوك، وعود النشاط إلى القطاع المصرفي.

4- أن الرقم القياسي للأسعار في قطر قد ارتفع في الربع الثاني إلى 3.9%-كما أشرت إلى ذلك في المقال السابق-بعد أن هبط إلى دون الصفر في الربع الأول، وفي ذلك إشارة إلى تحسن مستوى النشاط الاقتصادي.

هذا التحسن في مستويات الإنتاج والأسعار في الربع الثاني من شأنه أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة لا تقل عن 15% عن الربع الأول، ليصل إلى نحو 82 مليار ريال، ولكنه سيظل مع ذلك دون مستواه المناظر في الربع الثاني من العام 2008 البالغ 96.6 مليار بما نسبته 15%. أي أن التغير المنتظر في الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني سيكون على الأرجح –حسب المؤشرات المتاحة- بزيادة 15%عن الربع الأول، وبانخفاض نسبته 15% عن الربع الثاني من العام 2008.

وعلى ضوء التقديرات المشار إليها أعلاه عن الربعين الأول والثاني من العام فإن الناتج المحلي الإجمالي للنصف الأول من العام 2009 سيكون على الأرجح –وحسب توقعاتي الشخصية- في حدود 153 مليار ريال بانخفاض نسبته 16% عن النصف الأول من العام 2008.

ومن المنتظر أن تطرأ بعض العوامل الإيجابية على صورة الاقتصاد في الربع الثالث من العام بعد أن ارتفع إنتاج قطر من الغاز المسال نتيجة دخول وحدات إنتاجية جديدة، وسيؤدي ذلك إلى زيادة حقيقية في الناتج المحلي الإجمالي، فضلاً عن الزيادة في الانتاج بالأسعار الجارية. وبالنتيجة، فإن الناتج المحلي الإجمالي في عام 2009 ككل سيكون بالأسعار الجارية أقل من مثيله في عام 2008 بما نسبته 15% أو في حدود 310 مليار ريال، وإن كانت الزيادات في الكميات المنتجة، وفي حجم الخدمات المقدمة في قطاعات الكهرباء والماء، والنقل والاتصالات وغيرها ستبقي على الاقتصاد في حالة نمو حقيقي بنسبة لا تقل عن 5%، ويتوقعها البعض بأكثر من ذلك.

وبعد… فهذه قراءة خبير متخصص لأرقام الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول من العام 2009، وتوقعاته بشأن ما ستكون عليه الصورة الكلية للاقتصاد القطري في عام 2009، وهذه الأخيرة قد يطرأ عليها تبديل وتغيير إذا ما جاءت الحقائق بعد ذلك مخالفة للتوقعات، كأن ترتفع أسعار النفط أو تنخفض بشدة عن مستوياتها الراهنة.