الأرشيف الشهري: ديسمبر 2009

خواطر وتأملات.. ما بين عام مضى، وآخرُ آت

خواطر وتأملات.. ما بين عام مضى، وآخرُ آت

بقلم بشير يوسف الكحلوت

في الأسبوع الأخير من السنة نقف على أبواب عام جديد نرجو من الله أن يكون عام خير وبركة على الجميع، وعلى أمتنا العربية والإسلامية المثقلة بالهموم والقضايا الهامة والمصيرية. وقبل أن نودع العام المنصرم نقف لنتذكر كيف أقبلنا على سنة 2009 وسط مخاوف وأزمات كانت تعصف قبل عام باقتصاد العالم المتقدم، وتضغط بتأثيراتها المباشرة وغير المباشرة على اقتصادات الدول النامية ومن بينها اقتصاد قطر ودول مجلس التعاون.. نذكر في تلك الأيام كيف إنهارت أسعار الأسهم في بورصة قطر، وكيف توقفت البنوك-أو كادت – عن التمويل والإقراض، وكيف تراجعت أسعار العقارات، بعد أن كانت وعلى مدى سنوات ترتفع ولا تنخفض. نذكر كيف توقف فجأة كرنفال التوظيف وبات التفنيش هو السمة الغالبة على أنشطة الشركات والمؤسسات. ونذكر كيف كانت أسعار النفط في حالة تراجع مستمر ومعها أسعار معظم المنتجات الصناعية المرتبطة بالنفط كالبتروكيماويات، والحديد والألمنيوم والأسمدة الكيماوية، ومع هذا التراجع المدوي انخفضت أرباح الشركات المساهمة، بل وتحول بعضها إلى تحقيق خسائر مالية. وكأن الهموم الاقتصادية والمالية لم تكن كافية لشغل بال الناس في عالمنا العربي، فجاءت حرب إسرائيل القذرة على قطاع غزة المحاصر لتزيد الطين بلة، ولتلقي بظلالها الكئيبة على المشهد العام، فأين نحن اليوم من ذلك كله وهل سيكون عام 2010 أفضل من سابقه؟؟

أبدأ بما انتهيت به وأشير إلى أن صمود أهلنا في غزة ووقفة الشرفاء من أمتنا معهم قد أفشل مخططات العدو، وخرج الشعب منتصراً رغم الدمار والخراب والعدد الكبير من الجرحى والشهداء الذين سقطوا في كل حارة وشارع. ولكن المتآمرون في الأرض أبوا إلا أن يكملوا المخططات الهمجية لإبادة الشعب وتركيعه بوسائل أخرى كان من بينها استمرار الحصار ومنع توريد مستلزمات إعادة التعمير. وقبل أن ينتهي عام 2009 جاءت أخبار تشديد الحصار بألواح فولاذية تُزرع في الأرض العربية المصرية لتمنع تهريب الغذاء والدواء إلى أهل غزة، بحجة حماية الأمن الوطني المصري!!!! فهل يكون ذلك بداية لمرحلة جديدة من الضغوط لتصفية القضية الفلسطينية؟ ندعوا الله أن يكون مع أهلنا المحاصرين وأن يأتى الفرج على يديه الكريمتين من حيث يدري الماكرون أو لا يدرون، فيرد كيدهم في نحورهم.

وأما من حيث الاقتصاد فإن الأمور قد تحسنت كثيراً منذ منتصف العام 2009، وأثمرت الجهود التي بذلتها الحكومة القطرية ومؤسساتها المختلفة عن نتائج طيبة نلمسها جميعاً على كل الأصعدة. فالمؤسسات المالية خرجت من الأزمة سليمة ومعافاة بفضل الدعم الحكومي اللامحدود، ودارت عجلة النشاط المصرفي بشكل معقول منذ بداية الربع الثاني من العام. وعادت أسعار النفط إلى الارتفاع وحافظت منذ منتصف العام على مستوى يتراوح ما بين 70-80 دولار للبرميل، وساعد ذلك على تجاوز الأزمة في كل دول المجلس بحيث لن تكون هناك عجوزات مالية في موازناتها العامة بل فوائض مالية ولو محدودة في بعض الدول. كما سجل الاقتصاد القطري في مجمله نمواً حقيقياً مع توقع استمرار هذا النمو وبوتيرة أعلى في عام 2010. ومع ارتفاع أسعار النفط والمنتجات تلاشى الخوف على نتائج الشركات المساهمة وخاصة الصناعية منها وشركات البنوك والتأمين والاستثمار، ومن ثم فإنه بعد نتائج أضعف بنسبة 16.5% لكل الشركات حتى نهاية سبتمب 2009، فإن الصورة ستكون أفضل مع نهاية العام 2009، وربما اقترب إجمالي الأرباح المتحققة لكل الشركات من نتائج عام 2008.

وبعد سنة من التذبذب الشديد في أسعار أسهم الشركات ما بين مد وجزر، فإن المؤشر العام للبورصة قد عاد مع نهاية العام قريباً من مستواه الذي كان عليه في مثل هذه الفترة من العام الماضي أي حول 7000 نقطة، بزيادة طفيفة حتى اللحظة نسبتها 2%. وبالمقارنة فإن الوضع في بورصات المنطقة-ما عدا الكويت- كان أفضل حيث سجل مؤشر الأسهم السعودية زيادة بنسبة 25.8%، وفي مسقط 10%، وحتى في دبي وأبوظبي كانت الزيادة بنسبة 10% و 12.5% على التوالي. فهل هذا منطقي أو معقول؟ أم أن الأيام القادمة تخبئ ارتفاعاً جديداً في مؤشر وأسعار الأسهم القطرية؟

وأما عن أسعار العقارات، فإن انخفاضها كان عاملاً تصحيحياً بدا في حينه ضرورياً وملحاً من أجل خفض معدلات الإيجارات التي وصلت ذروتها وأثرت سلباً على الوضع الاقتصادي في البلاد، ومن أجل خفض معدل التضخم. وقد تحقق هذا الأمر وهبط المعدل من نحو 16.6% في منتصف عام 2008 إلى أقل من الصفر في صيف عام 2009. وكان ذلك هو أحد النتائج الإيجابية للأزمة وتداعياتها. وقد ساهم توفر مواد البناء بأسعار رخيصة نسبياً، وكذا تراجع أسعار الأراضي بعد توقف عمليات المضاربة عليها إلى تصحيح تكلفة المباني والمنشآت. كما ساعد توازن العرض والطلب على الوحدات السكانية نتيجة انخفاض الطلب عند المستويات العالية، وتزايد المعروض من مشروعات بروة وغيرها من الشركات، إلى تراجع في مستويات الإيجارات. وسيعمل هذا العنصر في الشهور القادمة على الإبقاء على معدل التضخم منخفضاً في عام 2010.

وكان انفجار الأزمة في دبي آخر الأحزان للإمارات والمنطقة في عام 2009، ولأن دبي عضو في الإمارات العربية المتحدة التي تملك احتياطيات مالية ضخمة، لذا فإن من المستبعد تحول أزمة ديون الإمارة إلى مشاكل مالية للقطاع المصرفي في الإمارة وفي بقية دول الجعلس، وأحسب أن الأمور ستسير على نحو جيد عند إعادة جدولة ما تبقى من الديون.

وبعد، فقد كانت هذه مجرد خواطر وتأملات على ما حدث في عام 2009، مع بعض التوقعات لعام 2010 الذي أرجو مخلصاً أن يكون عاماً خالياً من الأزمات والنكبات، وأن يملأ قلوبكم جميعاً بأسعد اللحظات، وكل عام وأنتم بخير

هل يكون أول محافظ للمجلس النقدي الخليجي، قطرياً؟

أطرح في هذا المقال قضية مهمة تستحق التفكير فيها على عجل، قبل أن تدور عجلة المجلس النقدي الخليجي وتتسارع الأحداث، وهي قضية ترشيح إحدى الشخصيات القطرية المناسبة لمنصب محافظ المجلس النقدي الخليجي، باعتبار أن الظروف باتت ملائمة لذلك بعد إنتهاء ولاية الأمين العام القطري لمجلس التعاون. وقبل أن أخوض في التفاصيل أتوقف في عجالة عند ما جرى في اليوم الوطني من فعاليات فاضت بها مشاعري وسجلتها بقلمي فقلت:

كان يوم الجمعة الثامن عشر من ديسمبر 2009 يوماً وطنياً بامتياز، ليس في الدوحة فقط وإنما في كل مكان على امتداد الربوع القطرية ما بين ضفتيها الشرقية والغربية؛ فانسجمت عناصر الطبيعة مع مشاعر الحب والتكاتف والولاء، وكان أن أشرقت شمسها الدافئة في الصباح، لتنطلق فعاليات الاحتفال بالعيد، وسط فرحة غامرة في قلوب وعيون الجماهير المحتشدة في الساحات. ثم ذهب الناس إلى الصلاة كي يسجدوا لله شكراً وامتناناً على نعمه وعطائه الوفير، بأن جعل شبه الجزيرة القطرية واحة للأمان والاستقرار، وللتطور والإزدهار. وما أن قُضيت الصلاة، وانتشر الناس في الأرض، حتى امتلأت السماء بالسحاب، وسرت نسمات هواء عليلة، ثم ما لبثت الأمطار أن هطلت غزيرة، في إشارات نحسبها من الله عز وجل، إشارات خير وبركة على الراعي والرعية.

كان ذاك يوم العيد الوطني لدولة قطر العزيزة، الذي امتلأت فيه القلوب بالفرحة والسرور على حاضر مشرق جميل، وقبله بيومين كان زعماء دول المجلس في قمتهم الثلاثين بالكويت يرسمون للمستقبل صورة أجمل بدأت بتدشين مشروع الربط الكهربائي بين دول المجلس ليكون ذلك علامة فارقة على مرحلة جديدة من الحياة في المنطقة لن ينقطع فيها التيار الكهربائي على أحد. كما أعطى زعماء الدول الأربعة المعنية توجيهاتهم لمحافظي البنوك المركزية كي يباشروا مهامهم المتعلقة بإنشاء المجلس النقدي، وأوصوا وزراء المالية بالنظر في اقتراح صاحب السمو أمير دولة قطر بإنشاء بنك خليجي للتنمية. هذه الأخبار الطيبة تدفع باتجاه استكمال ما تبقى من خطوات لتحقيق الاتحاد النقدي وإصدار العملة الخليجية الموحدة، فما هي هذه الخطوات المنتظرة؟؟

إن أول خطوة منتظرة هي أن يقوم محافظو البنوك ومؤسسات النقد المركزية في قطر والكويت والبحرين والمملكة العربية السعودية بعقد أول اجتماع لمجلس إدارة المجلس النقدي في مدينة الرياض التي هي مقره الرسمي، ليبدأوا في تنفيذ المهام المطلوبة منهم وفي مقدمتها تعيين محافظ للمجلس النقدي.

والشروط التي تم وضعها مسبقاً لتحديد شخصية المحافظ؛ تقتضي أن يكون من أهل المنطقة ومن ذوي الاختصاص في العمل المصرفي بوجه عام والمركزي بوجه خاص. وتنطبق هذه الشروط على إحدى الشخصيات القطرية المرموقة في هذا المجال، وأقصد بذلك سعادة عبدالله بن خالد العطية أول محافظ لمصرف قطر المركزي في الفترة من 1992-2006، والمدير العام لبنك قطر الوطني قبل ذلك. وقد شارك الرجل خلال عمله بالمصرف في اجتماعات لجنة المحافظين وساهم بخبراته في إنجاز المراحل التمهيدية لإقامة الاتحاد النقدي. إضافة إلى ذلك يترأس سعادته منذ وقت طويل مجلس أمناء الأكاديمية العربية للعلوم المصرفية. وربما تكون ظروف انتهاء ولاية سعادة عبدالرحمن بن حمد العطية كأمين عام لمجلس التعاون وتعيين أمين عام من البحرين خلفاً له فرصة معززة لترشيح عبدالله بن خالد العطية في المنصب الجديد. واعتقد أن العلاقات الطيبة التي جمعت الرجل مع أقرانه محافظي البنوك المركزية ستسهل حصوله على المنصب إذا ما وافق سعادته على الترشيح، وإذا ما طلبت دولة قطر ذلك رسمياً.

وإذا ما تم تعيين محافظ للمجلس النقدي، فإن بقية التعيينات سوف تلحق تباعاً بما في ذلك تعيين مدراء الإدارات الرئيسية بالمجلس بما فيها الإدارة المصرفية والإصدار، وإدارة السياسة النقدية، إدارة الاستثمار، وإدارة الإحصاء، والإدارة القانونية، وإدارة نظم المعلومات وغيرها. كما سيتم تعيين مجموعة من الخبراء والمستشارين لإعطاء المجلس دفعة قوية للأمام في سنوات عمله الأولى.

وإذا ما اكتملت سلسلة التعيينات المطلوبة، فإن المهام التي كانت تتولاها اللجان الفنية المختلفة المشكلة من موظفي البنوك المركزية ومؤسسات النقد الخليجية، وكذلك الصلاحيات التي مارستها وحدة النقد بالأمانة العامة لمجلس التعاون، سوف تؤول حكماً إلى لجان داخلية تعمل داخل المجلس النقدي، بإشراف وإدارة محافظه الجديد، وموافقة واعتماد من إدارة المجلس النقدي.

والخلاصة أنه رغم عدم تحقق الحلم القديم بإصدار عملة خليجية موحدة بحلول عام 2010، فإن ما تم إنجازه من خطوات حتى الآن، يسمح ببقاء هذا الحلم حياً في النفوس، وقد يتسارع تنفيذه في الشهور القادمة إذا ما تم تعيين محافظ للمجلس النقدي الخليجي من وزن عبدالله بن خالد العطية، وذلك في كل الأحوال رأي شخصي، إكتبه انطلاقاً من قناعاتي، ومن خبرتي بمصرف قطر المركزي، ومن معرفتي بالرجل لمدة تزيد على عشر سنوات.

القمة الخليجية ومرحلة جديدة على طريق الاتحاد النقدي

متابعات اقتصادية

القمة الخليجية ومرحلة جديدة على طريق الاتحاد النقدي

بقلم : بشير يوسف الكحلوت

تنعقد في الكويت بعد غدٍ قمة جديدة لزعماء دول مجلس التعاون، لاستكمال البحث في أمور التعاون المشتركة وفي مقدمتها الإعلان عن قيام الاتحاد النقدي بين أربع دول منها هي السعودية والكويت وقطر والبحرين. فما أهمية الإعلان عن قيام الاتحاد وما هي فوائده المنتظرة للدول المشاركة فيه؟؟

يجب التنويه بداية إلى أن الإعلان عن قيام الاتحاد النقدي هو تتويج لمسيرة تنسيق وتعاون استمرت لنحو ثلاثة عقود منذ أن تم الإعلان عن قيام مجلس التعاون الخليجي في عام 1981. والمعروف عند أهل الاقتصاد أن هناك عدد من المراحل التي يجب تحقيقيها قبل الوصول إلى الاتحاد النقدي. وقد سارعت دول المجلس إلى إقرار منطقة التجارة الحرة منذ بداية الثمانينيات، ثم عملت على مدى سنوات طويلة لإقرار الاتحاد الجمركي وتحقق لها ذلك في يناير عام 2003، وتم منذ يناير 2008 قيام السوق الخليجية المشتركة.

ولقد كان مقرراَ أن يتم إصدار العملة في الأول من يناير عام 2010، إلا أن سير المباحثات في السنوات الخمس الأخيرة كان يشير بوضوح إلى أن هذا الهدف لن يتحقق في الموعد المحدد، وصدرت تصريحات كثيرة من المسؤولين في البنوك المركزية الخليجية عبرت عن اعتقاد أصحابها بأن هذا الموعد غير مقدس وأنه لا ضير من تأخير التنفيذ لعدة سنوات أخرى. وساهم انسحاب عُمان من المشروع قبل عامين-لدواعي مصالح السلطنة الخاصة-ثم انسحاب الإمارات في منتصف العام الجاري على خلفية إقرار الرياض مقراً للاتحاد النقدي وسلطته النقدية، في إثارة المخاوف من فشل المشروع وتوقف مسيرته نهائياً. إلا أن إصرار بقية الدول على تنفيذ المشروع وإقرارها لاتفاقية الاتحاد النقدي والمجلس النقدي، قد أعاد الأمل بأن يرى الاتحاد النقدي النور في عام 2010، بتعيين محافظ لمجلسه النقدي ومن ثم تعيين الكوادر اللازمة لعمل المجلس، بما يساعد على الإسراع في إصدار العملة.

ويتطلب إصدار العملة اتخاذ قرارات مهمة في المرحلة القادمة من قبيل إسم العملة وشكلها ووزنها-أي خفيفة كالريال أم ثقيلة كالدينار- وسعر صرفها أمام عملة رئيسية واحدة كالدولار أو سلة عملات بما فيها الدولار. وفي مرحلة لاحقة يتم استخدام العملة المتفق عليها كعملة حسابية فقط في الدول الأعضاء بمعنى أن يتم الإعلان عن أسعار السلع والخدمات بالعملة المحلية والعملة الموحدة كي يتعود الناس عليها، ويستغرق ذلك سنة كاملة على الأقل. وأثناء ذلك يقوم المجلس النقدي بعمل الترتيبات لطباعة العملة بفئاتها المختلفة، ثم يتم توزيعها على البنوك المركزية للدول الأعضاء كل حسب معروضه النقدي. هذه الخطوات قد تستغرق ما بين عامين إلى ثلاثة وربما يطول الأمر عن ذلك لو حصلت خلافات على تعيين المحافظ، أو على السياسة النقدية للاتحاد وخاصة ما يتعلق بربط العملة الموحدة بعملة أو سلة عملات أخرى.

وتنبع أهمية الاتحاد النقدي والاتحاد الاقتصادي بوجه عام من كونه يربط الدول المتحدة برباط المصالح المتين، فيزيل أسباب التنافس والتناحر. الجدير بالذكر أن أوروبا المتحدة اقتصادياً قد نجحت في النصف الثاني من القرن العشرين في استبدال الحروب والصراعات الدامية بعلاقات تعاون وحسن جوار مفيدة للجميع. وقد ورثت دول مجلس التعاون في مرحلة الاستقلال الوطني عدد من مشاكل الحدود المزمنة التي وترت العلاقات بينها لفترة من الزمن. ومع قيام مجلس التعاون وشروعه في إقامة الاتحاد الاقتصادي بدرجاته المختلفة، بدأت العلاقات تتحسن بين هذه الدول . وأكاد أجزم اليوم بأن الاقتراح الذي قدمه حضرة صاحب السمو الأمير المفدى للقمة بشأن إنشاء بنك تنمية خليجي مشترك، هو ضمانة جديدة لدفع مسيرة العمل الخليجي المشترك إلى الأمام، باعتبار أنه يخدم المصالح المتبادلة بين دول المجموعة ويعمق من تقاربها الاقتصادي، ومن ثم فإنه سيشجع الدول التي لم تنضم للاتحاد النقدي وخاصة عمان على الانضمام إلى الإتحاد النقدي.

ولا شك أن إصدار عملة موحدة به العديد من الفوائد للمواطنين والمقيمين ومن ذلك توفير المبالغ الطائلة التي كانت تُدفع كعمولات عند تحويل أو استبدال العملات الخليجية مع بعضها البعض، وسيشجع وجود عملة موحدة على إقامة المشروعات المشتركة بين أبناء المنطقة. وبعد سنوات من صدور العملة الموحدة سيكون لدى المجلس النقدي القدرة على إدارة سياسة نقدية جديدة للدول الأعضاء بعيداً عن الربط بعملة واحدة، وما يترتب على ذلك من تحاشي مشاكل الربط خاصة إذا ما تدهور سعر صرف تلك العملة كما حصل مع الدولار في السنوات الأخيرة.

عودة لحالة استقرار الأسعار.. واحتمال ارتفاعها

متابعات اقتصادية

بشير يوسف الكحلوت

كان الانخفاض الشديد في أسعار الأسهم في بورصة قطر يوم الثلاثاء الماضي بمثابة حدث عارض أو مطب هوائي مفاجئ في رحلة السوق نحو الاستقرار والارتفاع اللذين توقعتهما في مقالين سابقين منذ الأسبوع الثاني من نوفمبر. ورغم أن الانخفاض في حد ذاته كان منطقياً في ظل تراجعات كبيرة أصابت أسواق العالم الرئيسية وانتقلت أثارها لاحقاً إلى مركز الحدث في دبي وأبوظبي، إلا أن الانخفاض الحاد في بورصة قطر وبنسبة تزيد عن 8% يوم الثلاثاء الماضي لم يكن مبرراً على الإطلاق في ظل معطيات كثيرة تجعل الشركات المساهمة القطرية في وضع أفضل بكثير من مثيلاتها في أسواق أخرى في المنطقة القريبة أو في العالم البعيد. ولذلك لم يكن مستغرباً أن تعود أسعار الأسهم إلى الارتفاع في اليومين التاليين(الأربعاء والخميس) بحيث استردت كثير من أسهم الشركات معظم خسائرها، وعاد مؤشر السوق فوق 7000 نقطة بخسارة صافية في حدود 159 نقطة عن إقفال ما قبل العيد.

ومع عودة البورصة إلى التدوال هذا اليوم الأحد فإن الأسعار مرشحة في الغالب إلى تحقيق مزيد من الارتفاع معززة بجملة من المبررات من بينها:

• أن تعرض المصارف القطرية لديون دبي العالمية محدود للغاية استناداً إلى شواهد منها أن حجم القروض الخارجية للقطاع المصرفي القطري في مجمله لم يكن يزيد في شهر أكتوبر الماضي عن 9% من إجمالي التسهيلات الإئتمانية البالغة نحو 267 مليار ريال. ورغم عدم وجود تصريحات رسمية تحدد حجم القروض من مصارف قطر إلى شركة دبي العالمية، إلا أن إنشغال مصارف قطر بتمويل الاحتياجات الضخمة للعمران والنشاط الاقتصادي في قطر يجعلنا نرجح أن تكون تلك القروض لدبي العالمية محدودة جداً. الجدير بالذكر أن الدكتور محمد الجاسر محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي قد استبق عودة التداول في السوق السعودي يوم الجمعة بتصريح أعلن فيه أن حجم انكشاف المصارف السعودية مع شركة دبي العالمية لا يزيد عن 2 في الألف، وقد ساعد هذا الإعلان على عدم انخفاض الأسعار بشدة في سوق الأسهم السعودي على النحو الذي حدث في بورصات الخليج الأخرى.

• أن شركة دبي العالمية لم تعلن إفلاسها، وإنما مارست حقاً من حقوقها عندما طالبت بتأجيل سداد قسطاً من ديونها لمدة ستة أشهر، كما أن حكومة أبوظبي لم تتخل عن شقيقتها دبي ووعدت بالمساعدة بالطريقة التي تراها مناسبة.

• أن حكومة دولة قطر قد أظهرت على مدى شهور الأزمة المالية العالمية، حرصها الشديد على معالجة تداعيات الأزمة على النظام المصرفي القطري، وأنفقت في سبيل ذلك مليارات الريالات، ومن ثم فإنها لن تتوانى عن التدخل مجدداً إذا ما ظهرت حاجة لذلك بسبب ديون دبي العالمية.

• أن الاقتصاد العالمي يتجه بخطوات متسارعة نحو الخروج من الركود الاقتصادي العالمي، وقد أظهرت البيانات الأمريكية الصادرة يوم الجمعة أن معدل البطالة قد تراجع في شهر نوفمبر إلى 10%، وتباطأ حجم الإستغناء عن الموظفين إلى 11 ألف وظيفة فقط. كذلك باتت التوقعات ترجح نمو الاقتصاد العالمي بنسبة 2.5% في عام 2010، ونمو الاقتصاد القطري بواحدة من أعلى النسب في العالم، كما اشار إلى ذلك حضرة صاحب السمو الأمير في خطابه السنوي أمام مجلس الشورى.

• أن موسم الإعلان عن النتائج المالية للشركات المساهمة القطرية قد اقترب أوانه، حيث تبدأ بعض الشركات في الإفصاح عن نتائج أعمالها وعن قرارات توزيعاتها قبل نهاية السنة، وذلك سيُبقي البورصة في حالة ترقب بما يحول دون انخفاضها دون إل 7000 نقطة ، مع احتمال ارتفاع أسعار أسهم شركات بعينها إذا ما تسربت أخبار عن توزيعاتها المحتملة، أو إذا ما سرت إشاعات بشأنها قياساً على ما حدث في سنوات سابقة. وبالقدر ذاته، قد يكون للتوزيعات المحتملة لبعض الشركات تأثيرات عكسية إذا ما جاءت بخلاف التوقعات.

والخلاصة أن الأمور تسير باتجاه معافاة البورصة القطرية بالكامل من تأثيرات المطب الجوي الذي تعرضت له يوم الثلاثاء الماضي، بحيث قد نرى تجاوز المؤشر لمستوى 7200 نقطة الذي كانت حوله قبل العيد. ويظل ذلك في الختام رأيي الشخصي الذي يحتمل الصواب والخطأ.