الأرشيف الشهري: مايو 2017

هل يتحول معدل التضخم إلى رقم سلبي هذا العام؟؟

عاد معدل التضخم في قطر إلى التراجع  في شهر أبريل إلى مستوى 0.6% بعد ارتفاعه لشهر واحد فقط في مارس، إلى مستوى 0.9% وكان قد سجل في الشهور السابقة المستويات التالية: 0.7% في فبراير، و 1.2% في يناير و 1.8% في شهر ديسمبر 2016، و 2% في نوفمبر و 2.2% في أكتوبر. وفي التفاصيل نجد أن انخفاض الرقم الخاص بأسعار  بعض المجموعات ذات الوزن النسبي المهم في الرقم القياسي عما كانت عليه في شهر مارس قد ساهمت  بحدوث  العودة للتراجع في معدل التضخم ومنها؛ انخفاض الرقم الخاص بالسكن والوقود بنسبة 1.5%، وانخفاض  رقم أسعار الغذاء والمشروبات بنسبة (1.3)% ، وانخفاض رقم المطاعم بنسبة 2.7% ، وانخفاض مجموعة التسلية  والترفيه بنسبة 2.6%. 

وتراجع معدل التضخم على هذا النحو عائد إلى أكثر من سبب في مقدمتها  استمرار الارتفاع في سعر صرف الريال المرتبط بالدولار مقابل العملات الرئيسية، مما يسهم في انخفاض أو استقرار  أسعار الواردات  السلعية من مختلف الدول. ومن جهة أخرى أدى تباطؤ النمو السكاني في قطر إلى نصف ما كان عليه في الفترة 2013-2014، إلى إحداث ضغوط على أسعار السوق العقاري بحيث وصلنا إلى فترة سجل فيها الرقم القياسي لمجموعة السكن (مع الوقود)، سالب 1.5%، بعد أن ظل لعدد من السنوات المحرك الأساسي لارتفاع معدل التضخم. وقد كان الوزن النسبي لهذه المجموعة حتى عام 2013 مرتفعا ويعادل 32.2% من إجمالي أوزان الرقم القياسي لأسعار المستهلك، ولكن تم خفض هذا الوزن في النسخة الحالية للرقم القياسي إلى مستوى 21.89%، ولولا ذلك لأدى الإنخفاض الراهن في الرقم الخاص بأسعار مجموعة السكن والوقود إلى تراجع قوي في معدل التضخم، ربما إلى ما دون الصفر.

الجدير بالذكر أنه وفقاً للعدد الصادر عن وزارة التخطيط التنموي والإحصاء عن نهاية شهر أبريل فإن مجمل عدد المتواجدين في قطر  من غير الزائرين قد بلغ نحو  2.675 مليون نسمة، وهو ما يمثل زيادة سنوية عن نهاية أبريل 2016 بنسبة 4.5%، مقارنة بأكثر من 10% في سنوات سابقة.  ومن المتوقع أن يحدث تراجع في عدد السكان مع نهاية شهر يونيو القادم ليس لدواعي فصلية –بسبب موسم الإجازات السنوية فقط-وإنما لاقتران ذلك بانتهاء عقود عمل أعداد من الموظفين في عدد من الجهات والمؤسسات، ومغادرتهم للبلاد. ويتزامن ذلك التراجع مع استمرار زيادة المعروض من الوحدات السكانية بمختلف أنواعها، مما سيضغط أكثر على أسعار الإيجارات، ومن ثم يضغط ذلك نزولاً على معدل التضخم. 

ومن جهة أخرى نجد أسعار النفط العالمية قد عادت لتستقر دون الخمسين دولاراً للبرميل(لنفط الأوبك) بعد 6 شهور من التحسن والإرتفاع فوق 52 دولاراً للبرميل. وهذا الإنخفاض دون الخمسين دولار للبرميل له تأثيره على معدل التضخم من ناحيتين:

الأولى: أنه قد يتسبب في خفاض الرقم الخاص بأسعار الوقود بعد أن كان هذا الأخير يمثل عامل رفع للتضخم في الشهور السابقة، والثانية: أن انخفاض سعر صادرات النفط دون الخمسين دولاراً، يضغط باتجاه استمرار العمل بسياسات ضغط الإنفاق، ومراجعة الأولويات في المرحلة القادمة، وهو ما سيضغط أكثر على معدل التضخم.

ولا يفوتني أن أنوه إلى أن السياسة النقدية تلعب دوراً ضاغطاً أيضاً على معدل التضخم، فإذا كانت البنوك المركزية تلجأ إلى رفع معدلات الفائدة على عملاتها للجم ارتفاع معدلات التضخم في اقتصاداتها، فإن ربط الريال القطري بالدولار، وحتمية رفع معدلات الفائدة عليه-كلما رفع بنك الاحتياط الفيدرالي الفائدة على الدولار- للحفاظ على استقرار سعر صرف الريال، يعمل في الاتجاه المعاكس في موضوع التضخم. ومن هنا فإنه في الوقت الذي سيرفع فيه البنك الأمريكي الفائدة على الدولار مرة أخرى- كما هو متوقع-فإن ذلك سيضغط سلبيا على معدل التضخم في قطر.

وعلى ضوء ما تقدم، نجد أن من غير المستبعد أن يواصل معدل التضخم تراجعه وأن يتحول إلى رقم “سالب” في الشهور القادمة، وهو مؤشر قد يبدو أنه إيجابي وفي صالح المستهلك، ولكنه من ناحية أخرى يشكل دخول الاقتصاد مرحلة إنكماش، قد يؤخر  من حدوثها بعض الشيء استمرار الأعمال الخاصة بتجهيزات البُنية التحتية والتجهيزات المتصلة بمباريات كأس العالم 2022. وقد تتغيرالصورة بعد عام 2017، إذا ما تم تفعيل وتنفيذ مشروع ضريبة القيمة المضافة وغيرها، بحيث يؤدي فرض هذه الضرائب على بعض السلع والخدمات إلى زيادة أسعارها، ومن ثم يساهم في إحداث توازن في الضغوط التي يواجهها معدل التضخم في قطر.

عودة للحديث عن مشروعات القوانين الضريبية

أشرت في مقال الأسبوع الماضي إلى صدور قرار عن مجلس الوزراء الموقر، بشأن مشروع قانون لتعديل الضريبة على الدخل، ومشروع قانون الضريبة على القيمة المضافة. وتنسجم هذه الإجراءات الضريبية الأخيرة مع التراجع في أسعار النفط، ومن ثم انخفاض الإيرادات العامة، باعتبار أنها ستوفر مداخيل إضافية للحكومة. وقد جاءتني استفسارات من بعض القراء بشأن هذه الضرائب التي ما زالت في مرحلة المشاريع، وتحتاج إلى عرضها على مجلس الشورى، وأود بهذه المناسبة الإشارة إلى أن الأمر قد التبس على بعض القراء فظنوا أن المقصود بضريبة الدخل هو فرض ضريبة مستحدثة على دخل الأفراد، بينما من يتأمل القرار الصادر يجد أنه يتعلق بتعديل ضريبة قائمة، وليس فرض ضريبة جديدة، ومن ثم فإن المعنى المقصود هو الضريبة على أرباح الشركات والمستثمرين الأجانب.

وقد جاء في نص القرار ما يلي: “يأتي إعداد مشروع قانون الضريبة على الدخل ليحل محل القانون السابق رقم 21 لسنة 2009، والقانون رقم 17 لسنة 2014 بإعفاء حصة المستثمرين غير القطريين في أرباح بعض الشركات وصناديق الاستثمار من الضريبة على الدخل……” والهدف من هذا التعديل كما ورد في مشروع القرار هو تطوير التشريعات الضريبية، بما يكفل تدعيم إيرادات قطاع الضرائب من ناحية، وتبسيط الإجراءات، وتيسير عمليات الفحص والربط والتحصيل، بما يسهم في تعزيز الامتثال الضريبي من ناحية أخرى. وقد استرعى انتباهي أن أحد الأخوة الكتاب قد نشر مقالاً بعد صدور القرار يعترض فيه على هذا المشروع باعتباره لا يتناسب مع الأوضاع في قطر، لا للقطريين ولا لغير القطريين، وأنه كان من الأولى الاهتمام بتحصيل الزكاة من المسلمين، والجزية من غير المسلمين. ومع تقديري الكبير للأخ الكاتب أرى أن موضوع الزكاة قد نظم له القانون مؤسسات خيرية تساعد على جمعها وتوزيعها على المحتاجين في الداخل والخارج، وهذا في تقديري أمر كاف، باعتبار أن موضوع الزكاة يُفضل فيه أن يتم التوزيع بمعرفة صاحب المال الذي قد تكون له أولويات في التوزيع من باب “أولى لك فأولى”. ويكون دور الجمعيات مساعد لمن لديه زكوات كثيرة، أو ليس لديه قدرة على التوزيع الشرعي والسليم، ويريد أن يتحرى الأكثر حاجة سواء داخل البلاد أو خارجها

ومن جهة أخرى، وافق مجلس الوزراء في الاجتماع نفسه المشار إليه على مشروع قانون بشأن الضريبة على القيمة المضافة، بعد أن قامت وزارة المالية بإعداد مشروع القانون وفقا للاتفاقية الموحدة لضريبة القيمة المضافة لدول مجلس التعاون. وهذه الاتفاقية تلزم كل دولة من دول المجلس باتخاذ الإجراءات الداخلية لإصدار القانون المحلي، والسياسات والإجراءات اللازمة لتطبيق الضريبة، بهدف وضع أحكام الاتفاقية موضع التنفيذ.

الجدير بالذكر أن الاتفاقية قد نصت على إطار موحد لتطبيق ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5٪، على أن تُطبق في الأول من يناير من العام 2018 أو 2019 كحد أقصى. ويرى بعض الخبراء أن من المتوقع أن تُمنح للشركات فترة انتقالية قد تتراوح بين 12 إلى 18 شهراً للاستعداد لتطبيق هذه الضريبة. ويتم فرض ضريبة القيمة المضافة على استيراد وتوريد السلع والخدمات في كل مرحلة من مراحل سلسلة التصنيع والتوزيع. وقد يتم استثناء بعض القطاعات بسبب خصوصية القطاع أو صعوبة فرض ضريبة القيمة المضافة عليها. المعروف أنه بقتضى ضريبة القيمة المضافة، فإن أثرها أو عبئها ينتقل لكل المستهلكين للسلع والخدمات سواء كانوا قطريين أو غير قطريين، وتقوم الشركات باحتساب قيم الضريبة ودفعها للحكومة. ومن هنا فإن فرض ضريبة القيمة المضافة سيؤدي إلى زيادة أسعار السلع والخدمات عن المستويات التي عرفها الجمهور حتى الآن.

تطورات متسارعة في مقدمتها احتمال خروج إزدان من البورصة