الأرشيف الشهري: سبتمبر 2017

نحو علاج جذري لأزمة البورصة

مع نهاية الأسبوع الماضي هبط مؤشر بورصة قطر إلى أدنى مستوى له منذ خمس سنوات، بإنخفاضه إلى مستوى 8312 نقطة، مسجلاً بذلك انخفاضاً نسبته 20.5% عن بداية العام الحالي.  وانخفضت الرسملة الكلية للسوق بنحو 86.3 مليار ريال في الشهور الأربعة الأخيرة لتصل إلى مستوى 454.6 مليار ريال. وهذه الخسائر الكبيرة والموجعة للمستثمرين، قد توزعت على حملة الأسهم كل بنسبة ما يملكه، وبماهية الأسهم التي يحتفظ بها، مما أثار شعوراً بالإستياء في أوساط المستثمرين، لعدم إطمئنانهم إلى وجود نهاية واضحة لنفق التراجعات في أسعار الأسهم، أو إلى ما يمكن أن نطلق عليه الحاجة إلى  أفكار جديدة في معالجة جوانب الضعف والهزال في الأداء.

الجدير بالذكر أن صاحب السمو الأمير المفدى حفظه الله قد أكد  في أول خطاب له بعد الأزمة  على موضوع التطوير والإبداع في حياتنا الإقتصادية حيث قال:”نحن مدعوون لفتح اقتصادنا للمبادرات،، وأن علينا تطوير مؤسساتنا ومصادر قوتنا”.ومع ذلك مر شهران أو أكثر على ذلك الخطاب التاريخي، ولم نجد أن توجيهات سموه قد أخذت ما تستحقه في مجال التطبيق العملي لوضع البورصة، خاصة وأن المؤشرات قد ظلت على حالها من التراجع طيلة تلك الفترة باستثناء جلسات محدودة.

وقد يكون هنالك بعض العوامل التي تبرر جزئيا  انخفاض أسعار الأسهم والمؤشرات في النصف الثاني من عام 2017، ومنها انخفاض أسعار النفط والمداخيل، وبالتالي تباطؤ النمو الإقتصادي في قطر. إلا إنه يمكن الرد على ذلك بحقيقة أن أسعار النفط قد عادت إلى الارتفاع في عام 2017 بشكل ملحوظ عما كانت عليه في عام 2016، وأنها قد باتت في الأسابيع الأخيرة تزيد عن 55 دولاراً للبرميل، أي بما يزيد  بـ 10 دولار للبرميل عن السعر المعتمد في الموازنة العامة للدولة. ومن جهة أخرى نجد أن انخفاض أسعار أسهم كثير من الشركات المدرجة في البورصة قد حدث بنسب كبيرة تفوق نسب تراجع ارباحها في النصف الأول من العام 2017. ولنأخذ مثالاً على ذلك سهم الريان، كانت أرباحه مستقرة بانخفاض بأقل من 3% عن الفترة المناظرة، ومع ذلك انخفض سعر سهمه بأكثر من 10% في الآونة الأخيرة عن مستواه بعد توزيع الأرباح ليصل إلى 37 ريالاً للسهم.كما أن هناك نحو 16 شركة سجلت ارتفاعات في أرباحها في النصف الأول من العام الحالي عن الفترة المناظرة من العام السابق، ومع ذلك تراجعت أسعار أسهمها بشكل ملحوظ، ومن هذه الشركات: الرعاية، والدولي، والمصرف الإسلامي، والدوحة للتأمين وأزدان. وخلاصة ذلك أن تراجع أسعار الأسهم هذا العام لايمكن تبريره  كلياً بانخفاض أسعار النفط، أو بتراجع أرباح الشركات، وإنما هنالك عوامل بنيوية كامنة في نظام البورصة، عملت  لسنوات على الإبقاء على  حالة من الجمود، سواء في ذلك عدد الشركات المدرجة عند مستوى 45 شركة، أو آليات التداول المختلفة أو المنتجات المتاحة في البورصة. وحتى عندما تم إضافة بعض المنتجات الجديدة، فإن وقت تشغيلها بات غير مناسب في وقت تتراجع فيه أسعار الأسهم بشكل غير طبيعي.

والخلاصة أننا بحاجة لما وجه به صاحب السمو الأمير من إبداع في التفكير، ومن ضرورة البحث عن وسائل مبتكرة  لحل أزمة البورصة المزمنة. وقد يكون الحل في إعادة النظر في طريقة إدارة البورصة وتشغيلها، بحيث تتحول من مؤسسة حكومية، إلى شركة  مساهمة عامة، يتم إدراجها في البورصة، وتُدار بأفكار رجال الأعمال الذين يضعون نصب أعينهم استمرار تطوير حجم النشاط وتعظيم الأرباح.  

تزامناً مع عودة الأمير: تطورات إيجابية في الملفات الاقتصادية

 يسرني أن أبدأ مقالي هذا اليوم بتقديم أسمى أيات التهنئة لشعب قطر العزيز على العودة المظفرة لسمو أمير البلاد المفدى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني حفظه الله ورعاه، بعد رحلة موفقة وناجحة زار خلالها أربعة دول، وتوجها بخطاب تاريخي من على منبر الأمم المتحدة.  ومنبع الفخر والإعتزاز أن رحلة الأمير المفدى قد انطلقت من قطر بعد مائة يوم من حصار الأخوة (الأعداء) لدولة قطر، وقد أدار سمو الأمير، وحكومته الرشيدة ملف أزمة الحصار بكل نجاح واقتدار، بما أفشل كل مخططات الشر التي أحيكت في الظلام لهذا البلد الخَير الكريم. وجاء خطاب سموه أمام العالم متزنا ومتوازناً، بقدر ما كان قوياً راسخاً ومتمسكاً بمبادئ الحق والعدل. وفي حين تغيب رؤساء وملوك الدول الخليجية عن حضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، انفرد صاحب السمو الأمير المفدى بحضور لافت ومتميز في كل شيء، فزادت شعبيته في وطنه، واستحق هذا الإستقبال الرائع بامتياز.

وفي الوقت الذي ابتهجت فيه البلاد والعباد بأفراح العزة والكرامة، تتجه الأمور الإقتصادية والمالية في قطر نحو التحسن رغم ظروف الحصار الجائر… وقد أظهرت البيانات الإحصائية التي صدرت مؤخراً  أن الوضع المصرفي مستقر ومطمئن، وأن معدل التضخم قد واصل تراجعه في شهر أغسطس، وأن مؤشرات البورصة وأسعار الأسهم قد وصلت القاع وأنها مرشحة للإرتفاع في الأسابيع القادمة، وخاصة مع بدء ظهور نتائج الربع الثالث من العام في منتصف أكتوبر.

وعن الموضوع الأول نشير إلى أن موجودات البنوك قد عادت إلى الارتفاع في شهر أغسطس بنحو 14.9 مليار ريال بحيث وصلت إلى 1.317 تريليون ريال. وبالتالي فإن الضغوط التي مارستها دول الحصار على الجهاز المصرفي القطري عن طريق سحب بعض الودائع، قد فشلت في ضعضعة استقراره والنيل من جودة أصوله. 

وعلى صعيد مداولات البورصة نجد أنه بعد سلسلة طويلة من التراجعات في المؤشر العام وأسعار الأسهم منذ منتصف شهر يوليو الماضي، فإن المؤشر العام للبورصة قد سجل ارتفاعات محدودة في الثلاث جلسات الأخيرة في الأسبوع الماضي، وأنه بات يبشر بالخير في المزيد من الإرتفاعات في الجلسات القادمة، وخاصة مع انتهاء موسم الصيف وعودة المستثمرين من الإجازات. وسيجد كثير من المتعاملين الذين احتفظوا بأسهمهم طيلة الفترة الماضية أن الوقت بات مناسباً  للشراء عند الأسعار المنخفضة الراهنة. وأنصح أن تكون قرارات الشراء مدروسة وعلى أسس من التقييم لأوضاع كل شركة على حدة ووفقا للنتائج والمؤشرات المالية. 

وفيما يتعلق بمستويات أسعار الإستهلاك نجد أن الأرقام الصادرة عن وزارة التخطيط التنموي والإحصاء، قد حملت للمستهلكين في الأسبوع الماضي، بشائر سارة عن حدوث المزيد من التراجع في أسعار السلع والخدمات التي يقيسها الرقم القياسي للأسعار. ومفاد ذلك أن معدل التضخم-الذي هو نسبة التغير السنوي في الرقم القياسي- قد واصل سلسلة تراجعاته التي بدأها منذ سبتمبر عام 2016، بحيث انخفض الرقم من 2.6% قبل سنة إلى سالب 0.36% في أغسطس الماضي. وقد حدث هذا التراجع الحاد بالتدريج نتيجة انخفاض أسعار السلع والخدمات في سبع  مجموعات رئيسية من المجموعات التي يتكون منها الرقم القياسي، وفي مقدمة ذلك انخفاض بنسبة 4% في أسعار مجموعة الوقود والسكن. ومن المتوقع أن يستمر التراجع في الأسعار في الشهور القادمة بما يعكس  حدوث انخفاض مهم في تكلفة المعيشة للمواطنين والمقيمين على حد سواء. وقد يستمر معدل التضخم سلبيا لفترة طويلة عاكساً بذلك طول الفترة التي ارتفع فيها في السنوات الماضية.

لماذا لا يتم النظر في اقتراحات لدعم أداء البورصة؟

 من المتعارف عليه في  إدارة الأعمال، وفي مقدمتها إدارة الأسواق المالية على وجه الخصوص، أن الدخول في أي مشروع للإنتاج أو للتطوير والتحسين يجب أن يكون رهنا بالتجريب لفترة معينة، فإذا ما أثبتت التجربة العملية نجاحه وفاعليته في  تحقيق الأهداف المتوخاة منه، فإنه يتم اعتماده للتطبيق بشكل نهائي، على أن يكون خاضعاً بعد ذلك للمراجعات السنوية، على ضوء معايير محددة تقيس مدى استمرارية النجاح أو الفشل. ومثل هذا المنطق في التفكير يكون سائداً في عالم الأعمال، حيث لا يُعقل أن تستمر منشأة في العمل والإنتاج إذا كانت  العملية الإنتاجية لا تغطي تكاليف التشغيل بما يؤدي إلى تراكم الخسائر سنة بعد أخرى. ولدينا بعض الشركات القطرية التي درجت على تحقيق خسائر سنوية منذ سنوات  لأنها لا تغطي تكلفة التشغيل، أو أنها تعتمد على الإيرادات الإخرى في  التقليل من صافي الخسارة، أو لتحقيق بعض الأرباح المحدودة. 
وفي سوق المال القطري بعض الأمثلة على قرارات تم اتخاذها منذ سنوات وثبت عدم جدواها، ومع ذلك تم التمسك بها ولم يتم تقييم نتائجها، باستثناء حالة واحدة في عام 2004  عندما تم تمديد فترة التداول في سوق الدوحة للأوراق المالية لعدة اشهر، ولما تبين أن النتيجة جاءت سلبية، تم العدول عن مشروع التمديد قبل نهاية مدة التجريب، فعادت أسعار الأسهم والمؤشرات إلى الإرتفاع من جديد. ورغم ما أثبتته التجربة العملية في هذا المجال من فشل، إلا أن البورصة عادت إلى تمديد ساعات التداول منذ  عام 2009 بأكثر مما كانت عليه في فترة التجربة الأولى، وكانت النتيجة العودة لتراجع أحجام التداولات، وانخفاض أسعار الأسهم والمؤشرات.

على أننا نسجل للبورصة بعض القرارات الايجابية ، حيث تم مؤخرا توحيد وحدة المزايدة الى درهم واحد ؛ وقد انعكس ذلك ايجاباً على حجم التداول رغم الظروف الإستثنائية التي تمر بها البورصة. فقد ارتفع  إجمالي حجم التداول في 11 يوم عمل بعد تطبيق القرار بنسبة 37% عن الأيام المناظرة التي سبقت تطبيق القرار يوم 27 أغسطس.  

ونشير من جهة أخرى إلى إهتمام  البورصة بإدخال شركات قطرية لمؤشرات الصناديق العالمية التي تديرها مؤسسات مثل ستادرد آند بور، وفوتسي.  وكان  ظاهر هذا التوجه جيداً من زاوية تحقيقه لهدف ترفيع بورصة قطر من جانب تلك المؤسسات من بورصة مبتدئة إلى بورصة  ناشئة… وكان المؤمل أيضاً أن يؤدي هذا الأمر إلى استقطاب أموال جديدة من تلك المؤسسات لاستثمارها في أسهم الشركات القطرية. ولكننا لم نسمع بعد ذلك عن أية دراسة خرجت على جمهور المستثمرين بتقييم ما تم في العامين الماضيين من نتائج على ضوء  إشراك بعض الأسهم القطرية في المؤشرات العالمية لتلك المؤسسات. 

وكانت هنالك في الماضي بعض الممارسات التي كان لها تأثير إيجابي  على تداولات البورصة وتم وقفها ومنها: نظام الوكلاء لحساب المستثمرين غير المتفرغين… وتداولات البنوك في البورصة بمبالغ كبيرة. كما كان للحكومة جهود مشكورة لدعم السوق بشركات جديدة وقوية مثل شركات أوريدو وصناعات ووقود، والريان، وبروة، وقبلها الكهرباء والماء، ولكن شحت مثل هذه الإضافات منذ 7 سنوات، وباتت الإدراجات محصورة في شركات قليلة غير حكومية لا تتحقق في بعضها شروط سلامة الإدراج. 

وإذاً، فهنالك مشاريع وخطوات يمكن العودة  لها لضمان خروج البورصة من كبوتها الراهنة. وتحضرني هنا مقولة حضرة صاحب السمو الأمير المفدى، في خطابه عن أزمة الحصار، عندما أشار إلى أن  المرحلة الحالية باتت تفرض علينا مراجعة أولوياتنا الاقتصادية لتمتين وتعزيز قدرة البلاد على الصمود والتصدي في مواجهة كل  محاولات النيل من  استقلالها أو العبث بمقدراتها”.  وقوله ايضاً: “نحن اليوم بحاجة للاجتهاد والإبداع والتفكير المستقل والمبادرات البناءة”  وقال: “إن المرحلة التي تمر بها قطر حاليا هي مرحلة بالغة الأهمية لسد النواقص وتصحيح الأخطاء “.

 

تاملات في الازمة الخليجية بعد مائة يوم

بعد قرابة المائة يوم على بدء الإنقلاب الرباعي على قطر بقيادة السعودية والإمارات، تبدو الصورة مُشرقة في الجانب القطري، حيث تسير  الحياة على مايرام مع تحقيق المزيد من الإنجازات كان آخرها افتتاح ميناء حمد في الأسبوع الماضي، مع ما يمثله ذلك من توسيع لقدرة قطر على التواصل مع العالم الخارجي. كما استمر استقرار العملة القطرية عند سعرها المحدد، وأكد النظام المصرفي تمتعه بالسيولة من خلال مشاركته في المزاد الشهري للأذونات التي أصدرها مصر قطر المركزي. وفي المقابل بدت الصورة مضطربة لدى جانب المحاصرين، وخاصة المملكة العربية السعودية، حيث تجلى ذلك في عدد من التطورات ومنها:

1-قامت السعودية بطلب قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 10 مليار دولار، وفق ما ورد في  مجلة ميدل إيست مونيتر في عدد 31 أغسطس الماضي. وقد استغربت المجلة هذه الخطوة من السعودية باعتبارها أكبر مصدر للنفط في العالم، واعتبرته مؤشراً على تدهور الإقتصاد السعودي، وخاصة مع تراجع أسعار النفط دون الخمسين دولار للبرميل. وذكرت المجلة أن السعودية صدرت في عام 2016 ما قيمته 136.2 مليار دولار من النفط، وأن لديها سندات مالية أمريكية بقيمة 750 مليار دولار. وقالت المجلة إن هذه الثروة الكبيرة قد تكون غير متاحة للسحب منها بعد قانون جاستا الأمريكي الذي أتاح  لقرابة 1500 من الناجين من هجمات 11 سبتمبر، ونحو 850 من أقارب الضحايا توثيق مطالبات  بمقاضاة الحكومة السعودية وطلب تعويضات منها. وقالت محطة سي إن بي سي إن من المرجح ألا يكون لدى السعودية قدرة على السحب من أموالها، مما دفعها إلى اللجوء للاقتراض من صندوق النقد الدولي. 

2- قامت السعودية بفرض رسوم عالية على الأجانب المقيمين في المملكة اعتباراً من العام الحالي 2017، على أن تتضاعف في الأعوام القادمة، بما يفوق قدرة الكثير من المقيمين على دفع تلك الرسوم عن أنفسهم ومن عائلاتهم. وقد أدى هذا الإجراء إلى مغادرة أعداد كبيرة من العاملين إلى بلدانهم أو بالهجرة إلى بلدان أخرى لمن يستطيع ذلك. وبرزت تركيا من بين البلدان التي استقطبت أعداداً  كبيرة من المغادرين من السعودية ومن بعض دول الخليج ومن مصر. ووجد المهاجرون في تركيا فرصاً متاحة للاستثمار العقاري  بما يؤهلهم للإقامة والعمل، والحصول على الجنسية التركية بعد عدد من السنوات. وفي المقابل أدت هجرة العمالة من السعودية إلى أضطراب سوق العمل.

3- شاعت تقارير عديدة تتحدث بالأرقام عن حقائق إفلاس الكثير من التجار السعوديين، وتعرضهم لعمليات سلب  لأموالهم، والإستيلاء على أسهمهم ومحافظهم الإستثمارية وأموالهم السائلة، والتحفظ على أرصدتهم المالية. 

على ضوء هذه التطورات المتسارعة تكشفت حقائق الصراع  الذي تخفت في المائة يوم الأولى وراء مكافحة الإرهاب، وبقائمة مطالب يجب على قطر الإذعان لها، وإذا بالأمر الذي  كشف عنه صاحب السمو أمير الكويت في واشنطن عندما قال إن جهوده أفشلت خططاً لغزو قطر. وهذه الرغبة الجامحة للغزو تعكس أطماع المحاصرين في ثروات قطر الغازية الهائلة، أضافة إلى ما لديها من مدخرات متنوعة  في الصندوق السيادي بمئات المليارات من الدولارات. والحقيقة أنه  بقدر سرورنا لفشل المؤامرة ضد قطر، فإنه يحزننا هذا التردي في السلوك بين أشقاء تجمعهم أواصر الدين والنسب. وأخشى أن تكون الأزمة الخليجية بداية لتنفيذ المخططات التي تم تسريبها من عدة سنوات بشأن تقسيم السعودية إلى خمس دويلات. فمثل هذا التقسيم لم يكن ليتم بقوة السلاح أو بالإحتلال المباشر، كما حدث في العراق وليبيا وسوريا واليمن، ولكنه سيحدث بالإنهاك الإقتصادي للمملكة، بعد استنزافها في سوريا واليمن، إلى الحد الذي يبدأ فيه الصراع الداخلي بين الإمراء من ناحية ، وبانتفاض فئات الشعب المنهكة من غلاء المعيشة وارتفاع نسبة البطالة من ناحية أخرى. ولم تكن الدول الغربية لتسمح للسعودية بالإستيلاء على قطر، باعتبار أن ذلك سيمنحها المال اللازم لمعالجة مشاكلها، والإستقواء به من جديد، والبقاء موحدة، وهو عكس ما ذهبت إليه المخططات منذ عدة سنوات. ولا ندري بعد ذلك أنفرح بفشل المؤامرة الرباعية التي حيكت ضد قطر، أم نحزن لتفكك السعودية المنتظر إلى عدة دويلات.

هل اقتربت مؤشرات البورصة من القاع؟؟

تناولت في مقال الأسبوع الماضي أثر انخفاض أسعار النفط على نتائج البورصات الخليجية هذا العام، وبوجه خاص بورصة قطر. الجدير بالذكر أن المؤشر العام للبورصة قد انخفض بنسبة 14.25% منذ بداية العام إلى أقل من 9 آلاف نقطة، وتقلص إجمالي التداول هذا الأسبوع إلى مستوى 724 مليون ريال، أي إلى أدنى مستوى منذ أكثر من عام. ويستحق هذا الأمر أن نقف عنده مجدداً لنبحث عن أوجه الخلل في هذه المنظومة، وقد تساءلت مراراً وتكراراً لماذا لا يعكس أداء البورصة الواقع القوي للاقتصاد القطري؟؟؟ فإذا كان متوسط دخل الفرد في قطر من بين الأعلى عالمياً، وإذا كان معدل النمو الإقتصادي قد ظل لسنوات هو الأفضل على مستوى المنطقة، وفي المقدمة عالمياً، فلماذا تستمر حالة الجمود في عدد الشركات عند مستوى 45 شركة منذ عام 2010؟؟؟ ولماذا يعود إجمالي التداولات إلى أدنى مستوى سجله في ذاك العام وهو 67 مليار ريال أو ربما إلى أقل منه هذا العام؟ ولماذا ينخفض المؤشر العام إلى ما كان عليه في العام 2010 ؟؟
لقد ذكرت في مقال الأسبوع السابق أن أسعار النفط قد انخفضت إلى أقل من نصف ما كانت عليه في عامي 2014 و 2015، وأن ذلك قد أضر بأرباح الشركات وتوزيعاتها المحتملة، فانخفض الطلب على الأسهم، وانخفضت بالتالي أحجام التداولات، وتراجعت أسعار الأسهم والمؤشرات، وهنا كان انخفاض أحجام التداولات نتيجة لتراجع الأرباح ومن ثم التوزيعات. ومن جهة أخرى يمكن أن يحدث العكس بمعنى أن يكون الإنخفاض في حجم التداول سبباً في انخفاض الأسعار والمؤشرات إذا نظرنا إليه من زاوية التداول للمضاربة لا من أجل توزيعات الربح السنوية. ومن ثم قد تعمل أي زيادة ملحوظة في التداولات على ارتفاع الأسعار تحسن أداء الشركات ونتائجها وتوزيعاتها، فكيف يكون ذلك؟؟
لو تصورنا توافر السيولة في البورصة عن طريق صانع السوق أو مزودي السيولة، فإن الرهان على تحقيق أرباح رأسمالية من جراء ارتفاع محتمل في الأسعار يمكن أن يجذب المستثمرين ثانية وينشط تداولاتهم من جديد. فإذا حدث ذلك لعدة أسابيع متتالية، فإنه يكون كافيا لعودة الروح للسوق. ومن جهة أخرى يعمل ارتفاع الأسعار على تحقيق أرباح إضافية للشركات من استثماراتها في الأسهم، وذلك بدلاً من أن يكون تراجع تلك الأرباح الاستثمارية سبباً في تدهور الأرباح وتراجع توزيعات الشركات. ولو تحقق هذا الأمر فإننا سنكون قد تجاوزنا قاع الهبوط وانتقلنا إلى مرحلة جديدة.
إننا لا يمكن أن نغفل حقيقة أن تداولات المتعاملين في البورصة لا تتم لأغراض الحصول على التوزيعات السنوية فقط، وإنما على أساس المضاربات أيضاً التي بعضها يومي والآخر أسبوعي أو ربما شهري، من أجل انتظار الفرص المواتية للبيع عند ارتفاع الأسعار وهو ما يُسمى جني الأرباح. وهذا النوع من المضاربات يحدث في قطاع بيع وشراء الأراضي الفضاء بغرض الربح الرأسمالي. وفي حين تجمدت أوضاع البورصة منذ عام 2010، فإن أسعار الأراضي قد شهدت في نفس الفترة صعودا صاروخياً بسبب محدودية الأراضي المتاحة من ناحية، وشدة الطلب في السنوات السابقة من ناحية أحرى. ولكن هذا العامل نفسه يمكن أن يكون قد اقترب من الإنعكاس لصالح البورصة، لأكثر من سبب، لعل من بينها وصول أسعار أسعار العقارات إلى ذروتها في عام 2015، وتراجعها في عامي 2016، و2017؛ حسب مؤشر العقارات الصادر عن المصرف المركزي. كما أن تباطؤ النمو السكاني، قد يغير من المعطيات المتاحة خلال الشهور القادمة.
على أن هذا التغير المتوقع لصالح تداولات البورصة بحاجة إلى إعادة النظر في القواعد الحاكمة لنظام البورصة، والشركات المدرجة فيها، حتى يحدث التغير المنشود في زمن أقصر. فإذا كان بعض التغيير سُنة لازمة من أجل تحقيق نتائج أفضل، فإن ذلك يبدو مطلوباً في الفترة القادمة. وهناك إمكانية للتنشيط من خلال تحقيق ما كان معلنا من إدراجا شركات جديدة بقيمة 50 مليار ريال في 10 سنوات. كما يمكن ذلك من خلال ربط التشريعات التي تم الإعلان عنها مؤخراً في نظام الإقامة الدائمة، بحجم معين من الإستثمارات أو التداولات في البورصة.

لماذا اقترب معدل التضخم من الصفر؟؟

صدرت مساء الجمعة الماضي تقديرات جديدة لعدد القاطنين المتواجدين في قطر من قطريين ومقيمين مع نهاية شهر أغسطس، وحملت الأرقام الواردة تحولات جديدة تستحق رصدها والوقوف عند مدلولاتها. فقد انخفض عدد القاطنين بنسبة 1% عن نهاية شهر يوليو الماضي ليصل إلى مستوى 2.446 مليون نسمة. وقد يكون هذا الإنخفاض في هذه الفترة من السنة أمر طبيعي، وخاصة لتزامنه مع عطلة عيد الأضحى المبارك، والإجازات الصيفية،، إلا أن الملفت للإنتباه أن العدد قد انخفض عن نظيره قبل سنة بنسبة 2%، بعد أن ظل يسجل في الشهور السابقة من هذا العام معدلات زيادة سنوية، كان آخرها في الشهر السابق بنسبة 4%. وكانت معدلات الزيادة السنوية لعدد القاطنين في قطر في حالة تراجع شهراً بعد آخر، نزولاً من مستوى 11% قبل عدة سنوات، إلى ما بين 5-7% حتى منتصف عام 2017. وإذا استمر معدل الزيادة السنوية في التراجع بهذا الشكل المتسارع، فإن ما أشرت إليه في مقال سابق قبل 6 شهور -في مارس الماضي- من احتمال وصول العدد الإجمالي للسكان خلال الأعوام الثلاثة القادمة، إلى مستوى 3 مليون نسمة مع بداية عام 2020 يصبح أمراً مستبعداً. بل العكس صحيح، حيث من الممكن أن يستقر العدد أو أن يسجل بعض الإنخفاض عن مستوياته الراهنة. الملاحظ أن التغير السلبي في عدد القاطنين في قطر، يصبح الآن أكثر انسجاما مع تراجع معدل التضخم، حيث واصل المعدل تراجعه للشهر السادس على التوالي-باستثناء زيادات محدودة ف شهر أو شهرين- ليصل في شهر يوليو إلى مستوى 0.2% فقط، مقارنة بمعدل 1.8% في ديسمبر الماضي، و 2.6% في شهر سبتمبر 2016.
وفي التفاصيل نجد أن 7 مجموعات من أصل 12 مجموعة من مجموعات السلع الإستهلاكية قد سجلت تراجعاً في الأسعار عن الفترة المناظرة من العام السابق، مع بقاء أسعار التبغ بدون تغير. وسجلت مجموعة السكن والوقود تراجعاً مهماً بنسبة 3.6% بعد تراجع بنسبة 0.6% في الشهر السابق. كما انخفضت أسعار مجموعة الملابس والأحذية بنسبة 4.3%. وانخفاض الأسعار على النحو المشار إليه لسبع مجموعات يحدث نتيجة لإنخفاض الطلب على السلع، وهو ما ينسجم كما ذكرنا مع انخفاض عدد السكان. ومن جهة أخرى نجد أن أسعار مجموعة الغذاء والمشروبات قد ارتفع بمعدل سنوي 4.5%، وذلك أمر منطقي مع ارتفاع أسعار واردات أسعار الخضروات والفاكهة في الشهر الثاني من الحصار على قطر، وهو ما أمكن التغلب عليه بسلسلة من تدابير النقل المتنوعة سيظهر أثرها لاحقاً في الرقم القياسي لأسعار السلع في شهر سبتمبر. كما سجلت مجموعة النقل ارتفاعاً ملحوظا بنسبة 7.5% عن الفترة المماثلة من العام السابق. ويضاف لهما الرقم الخاص بالتعليم والرقم الخاص بأسعار الخدمات الصحية اللذين ارتفعا في يوليو بمعدل سنوي 3% و 2.8% على التوالي. الجدير بالذكر أن هذه المجموعات الأربع التي ارتفعت أسعارها تشكل معاً ما نسبته 34.7% من سلة الرقم القياسي للأسعار. وعلى ذلك فإن ثُلثي السلة تقريباً قد انخفضت أسعارها، بينما ارتفع ما يزيد عن الثلث قليلاً. وبالمحصلة سجل الرقم القياسي للأسعار في قطر ارتفاعاً محدودا بلغ معدله السنوي 0.2%. ولولا الحصار المفروض على قطر لكان معدل التضخم قد انخفض دون الصفر وتحول إلى رقم سلبي.
على أنه تظل هناك ملاحظة مهمة نرجو من جهاز التخطيط أخذها بعين الإعتبار عند إصدار بيانات الشهور التالية، وهي إجراء تعديل بسيط على تبويب مجموعات السلع بحيث يتم إضافة مجموعة التبغ إلى مجموعة الغذاء والمشروبات من ناحية، وتفصيل مجموعة السكن والماء والكهرباء وأنواع الوقود الأخرى إلى أكثر من مجموعة. فمجموعة التبغ تشكل نسبة ضئيلة تبلغ 0.27% من سلة الرقم القياسي لأسعار المستهلك، ولا تستحق بالتالي أن يُفرد لها مجموعة مستقلة،، خاصة وأن التغير فيها يكاد يكون صفري بشكل مستمر. بينما في المقابل مجموعة السكن والمياه والكهرباء والوقود تشكل ما نسبته 21.89% من السلة، ويحتاج المستهلك إلى معرفة ما يطرأ على مجموعة السكن بوجه خاص من تغيرات، إضافة إلى التغيرات في أسعار كل من الكهرباء والوقود. الجدير بالذكر أنه قد ترتفع هذه أو تنخفض تلك، ومن ثم لا يقف المتابع على حقيقة ما يطرأ على كل منها من تغيرات مهمة.