كيف ظل معدل التضخم سلبياً طيلة عام 2019؟؟

مر عام ونصف ومعدل التضخم السنوي في قطر دون الصفر بقليل، وهو قد استقر عند هذا المستوى لنحو ستة عشر شهراً متصلاً منذ صيف عام 2018. وكان قد سبق ذلك فترة أخرى من استقرار الأسعار لعام آخر فوق مستوى الصفر بقليل. وهذا الأمر قد يبعث على الارتياح عند بعض الناس لما يشير إليه من تراجع في أسعار السلع والخدمات شهراً بعد آخر. وأول ما يعكسه ذلك الأمر هو توالي الانخفاضات في أسعار إيجارات السكن والمحلات التجارية، نتيجة زيادة المعروض عن الطلب، مع العلم أن الوزن الترجيحي لهذه المجموعة هو الأكبر بين أوزان المجموعات الأخرى.

وبفحص مكونات السلة في شهر ديسمبر الماضي نجد أن خمس مجموعات منها قد سجلت انخفاضات في أسعارها- وأغلبها من المجموعات الثقيلة في أوزان سلة الرقم القياسي للأسعار- في مقدمتها مجموعة الترفيه والثقافة-وهي ثالث أكبر المجموعات بوزن نسبته 12.68%-، ومجموعة السكن والماء والكهرباء والوقود بوزن نسبته 21.89%، ومجموعة النقل بوزن 14.59%، وانخفضت بدرجة هامشية أسعار مجموعة الاتصالات بوزن 5.87%، ومجموعة الصحة بوزن 1.79%.

وحدثت الارتفاعات في سبع مجموعات أهمها من حيث الارتفاع؛ مجموعة السلع والخدمات الأخرى ووزنها النسبي 5.69%، يليها مجموعة الملابس والأحذية ووزنها 5.11%، ثم المطاعم والفنادق ووزنها 6.08%، ثم الغذاء والمشروبات، وهي رابع المجموعات وزناً بنسبة 12.58%-، فمجموعة التعليم وزنها 5.75%.

المعروف أن معدل التضخم هو متوسط لمجموعة كبيرة من أسعار السلع والخدمات التي يتم قياسها بواقع مرة كل شهر، وانخفاض هذا المعدل المتوسط لا يعني بالضرورة أنه يفيد كل المستهلكين بنفس الدرجة. فعندما تنخفض أسعار سلعة ما أو خدمة معينة كالإيجارات مثلاً، فإن ذلك لا يعني أن جميع المستأجرين قد استفادوا من ذلك الانخفاض في ذلك الشهر تحديداً، إذ ربما استفاد البعض منهم في شهر سابق. ومع ذلك فإن فئة كبيرة من السكان قد لا تستفيد من انخفاض الأسعار باعتبار أنها ليست من فئة المستأجرين- مثل غالبية القطريين-، بل إن هذه الفئة بالذات قد يصيبها الضرر من انخفاض ايجارات بيوتها ومحلاتها المؤجرة للغير، ومن انخفاض أسعار عقاراتها، ولكن هذه الفئة على أية حال قد تخسر اليوم مقابل ما كسبته في هذا المجال في سنوات سابقة.

وفي مجموعة السكن والماء والكهرباء وأنواع الوقود الأخرى يختلط الأمر على المتتبع لاتجاهات أسعار هذه المجموعة التي هي أكبر مجموعة ضمن مجموعات الرقم القياسي للأسعار. فأسعار هذه المجموعة تنخفض من سنوات بشكل شهري، ومع ذلك يجد المستهلكين أنه قد طرأت على مكونات هذه المجموعة ارتفاعات متعددة لحقت بفواتير استهلاك الكهرباء والماء وما في حكمها. وقد اقترحت في مقال سابق فصل خدمة الكهرباء والماء عن أسعار الوقود الأخرى، وبات هذا الأمر ملحاً الآن، بعد الزيادة الجديدة على فواتير المياه مقابل رسوم الصرف الصحي، وما قد يطرأ على أسعار البنزين من تغيرات بين شهر وآخر.

وقد لوحظ أن تسعيرة الكهرباء والماء قد خالفت اتجاه تراجع أسعار مجموعتها، عندما تقرر رفع التسعيرة على المستهلكين بنسبة 20%، في يناير 2019. وها هي فاتورة المياه ستزداد اعتبارا من يناير الجاري بنسبة 20% مقابل استخدامات الصرف الصحي، فهل يعمل الرفع على التقليل من تراجع معدل التضخم عندما تظهر نتائج الزيادة لاحقاً في أرقام الاستهلاك؟؟

ومن جهة أخرى فإنه رغم المستويات العالية لرسوم التعليم والدراسة في قطر منذ سنوات، إلا أن هذه الرسوم لا تزال من الفئات التي يطرأ عليها ارتفاعات شهرية، ويتحمل أعباءها عادة جمهور غير القطريين الذين لم يلتحق أبناءهم بالمدارس المستقلة، كما يتحملها القطريون أيضاً الذين يرسلون أبناءهم للمدارس الخاصة، والأجنبية.

وفي مواجهة انخفاض معدلات التضخم تلجأ البنوك المركزية عادة إلى خفض معدلات الفائدة في النظام المصرفي لتحفيز النمو الاقتصادي، ورفع معدلات التضخم إلى المستويات المقبولة.

وفي قطر انخفض معدل النمو الاقتصادي الحقيقي في الربعين الأول والثاني من عام 2019 دون الصفر، أي انه كان سلبياً، وإن بنسب محدودة، بما يتناسب مع كون التضخم سلبياً، وهو-أي معدل النمو الحقيقي- مرشح أن يكون قد استمر على هذا الحال في بيانات الربع الثالث من العام 2019، التي تأخر صدورها عن موعدها المقرر.