التوسع في صادرات الغاز بين المقبول والمحظور

قبل خمس سنوات فقط ، وبالتحديد في عام 1997 ، كانت دولة قطر تخطو خطوتها الأولى نحو تصدير الغاز مسالاً إلى اليابان بطاقة سنوية لا تزيد كثيراً عن مليوني طن سنوياً ، أو ما يقل عن بليون قدم مكعب يومياً من الغاز ، وكانت الآمال معلقة على الوصول بالصادرات إلى مستوى 11 مليون طن عام 2002 ليذهب أكثر من نصفها لليابان والباقي إلى كوريا الجنوبية. وكان الوصول إلى هذا المستوى يمثل انجازاً ضخماً في ظل سوق عالمية اتسمت يومها بضعف الطلب على الغاز في تلك الفترة ، وكان لذلك أسبابه التي منها أن أسعار بدائل الطاقة الأخرى كانت أرخص نسبياً مع ارتفاع التكاليف الإضافية التي تتطلبها صناعة الغاز المسال في مجال الإسالة والنقل وإعادة التغويز ، (أي إعادة الغاز المسال إلى وضعه الطبيعي في موانئ الاستيراد) ، وما يتطلبه ذلك من استثمارات ضخمة لإقامة منشآت إعادة التغويز في تلك الموانئ.
وفي ظل تلك الظروف كان من السهل على المستهلكين الرئيسيين والمحدودين للغاز المسال ، استيراده من مناطق قريبة عليهم ، فتوسعت إندونيسيا في تصدير الغاز المسال إلى اليابان وكوريا حتى وصلت إلى نحو 30 مليون طن سنوياً ، وتوسعت الجزائر في تصدير الغاز المسال إلى فرنسا وإسبانيا وبعض الدول الأوروبية الأخرى ، حتى زاد انتاجها عن 20 مليون طن سنوياً ، واشتهر من بين الدول المصدرة الأخرى ماليزيا وبروناي وأبوظبي ولكن بكميات أقل.
وفي ظل هذه الظروف كان دخول قطر إلى السوق العالمية للغاز أمراً صعباً بسبب المنافسة الشديدة من جانب المصدرين القائمين فعلاً الذين كان من السهل عليهم تقديم ضمانات وإغراءات للتوسع في التصدير من مشروعات قائمة بالفعل ، وبسبب المساومة الشديدة التي اتصفت بها عروض المشترين الذين كان يهمهم الحصول على أفضل العروض بأقل الأسعار..
ولقد عرفت دولة قطر كيف تفتح الأبواب المغلقة أمامها ، واستفادت في ذلك من عنصرين هامين:
الأول: ضخامة احتياطيات قطر من الغاز الطبيعي غير المصاحب ، مما جعلها قادرة على الوصول للمركز الأول في مجال تصدير الغاز ، إضافة إلى أن موقع حقل غاز الشمال على الخليج في رأس لفان قد جعل من غازه سهل الوصول إلى الأسواق العالمية.
الثاني: أن دولة قطر قد أعطت للشركات الأجنبية فرصة للمشاركة في مشروعات الغاز المسال إذا ما تمكنت تلك الشركات من المساعدة في إيجاد أسواق للغاز القطري .. وهكذا دخلت الشركات الفرنسية والأمريكية واليابانية والكورية وغيرها بنسب متفاوتة ، واحتفظت قطر للبترول بحصتها التي لا تقل عن النصف في أي شركة سواء في ذلك شركة قطر غاز أو رأس غاز..
وعلى مدى الخمس سنوات الماضية انفتحت كل الأبواب أمام الغاز القطري ، وتجاوزت قطر السقف الذي كانت تتطلع إليه ، وباتت تنتج اليوم نحو 14 مليون طن سنوياً سترتفع في غضون 3 سنوات إلى نحو 27 مليون طن ثم إلى نحو 45 مليون طن سنوياً بحلول عام 2010. يضاف إلى ذلك التوسع في مشروعات تصدير الغاز عبر الأنابيب إلى الإمارات والبحرين والكويت ، والتوسع في مشروعات التحويل الكيميائي للغاز إلى وقود سائل فضلاً عن التوسع في إقامة المشروعات البتروكيماوية المعتمدة على الغاز كوقود وكلقيم (مادة خام).
هذا الوصول السريع إلى الهدف بل وتجاوز الأهداف الموضوعة يحمل في طياته إيجابيات كثيرة وإن كان لا يخلو من السلبيات فهو من ناحية سيجعل قطر تحتل مكاناً مرموقاً كأكبر مصدر للغاز المسال في العالم ، وهو ما يعني النجاح التام في سياسة تنويع مصادر الدخل ، وسيكون أمام القطريين فرصاً ضخمة للعمل في شركات الغاز. وفي مقابل ذلك فإن الافراط في إنتاج الغاز المسال سيكون له آثار سلبية على الطلب على النفط وأسعاره من ناحية وعلى أسعار الغاز المسال في الأجل الطويل. كما سيفتح المجال للتنافس الشديد بين مصدري الغاز المسال ، فضلاً عن أنه سيعمل على سرعة استنزاف الاحتياطيات مهما كانت ضخامتها ، وسيركز الأنظار بأكثر مما ينبغي على قطر مما يجعلها عرضة لأطماع الطامعين ، وقد نعود إلى هذا الموضوع بالتفصيل في متابعة أخرى إن شاء الله.