في غمرة الاهتمام الزائد بموضوع الأسهم المحلية، وحالة الترقب التي تسود أوساط المتعاملين لما يمكن أن تسفر عنه تجربة تملك غير القطريين لنسبة 25% من أسهم الشركات القطرية، فإن الكثير من المعطيات الاقتصادية تتغير من حولنا بشكل متسارع. وإذا كان ما يحدث في سوق الأسهم يؤثر على أوضاع الناس بشكل مباشر وفوري، فإن المتغيرات الأخرى التي سنتحدث عنها في مقال اليوم لها تأثير قوي على الواقع الاقتصادي الذي نعيشه، وتساهم في تشكيل المستقبل، مما يستدعي منا التفاتة لما يطرأ على تلك المتغيرات من تحولات وتبدلات.. ومن بين هذه الأمور الإرتفاع السريع إلى مستويات قياسية في أسعار النفط العالمية، وتصاعد معدلات الفائدة على الدولار والريال، وعلاقة هذين المتغيرين بأسعار الأسهم من ناحية وبمستويات الأسعار ومعدل التضخم من ناحية أخرى.
القضية الأولى تتعلق بارتفاع أسعار النفط إلى أعلى مستوى تاريخي لها حيث اقترب سعر نفط غرب تكساس في نيويورك من مستوى 57.5 دولار للبرميل واقترب سعر الأوبك من 52 دولار للبرميل. وللمقارنة فقط فإن سعر الأوبك قد تضاعف في السنوات الأربع الأخيرة من 23.85 دولار عام 2001 إلى ما يزيد عن 45 دولار للبرميل في شهر مارس 2005. ورغم قرار دول الأوبك زيادة إنتاجها بمعدل 500 ألف ب/ي إلى 27.5 مليون ب/ي بدون العراق، إلا أن هذا القرار لم يوقف ارتفاع الأسعار، والسبب في ذلك أن الطلب العالمي على النفط ينمو هذه السنة بمعدل 2.2% أو ما يعادل 1.8 مليون ب/ي وسيصل إلى 84.3 مليون برميل يومياً، وبالتالي أصبح لدى المستهلكين مخاوف حقيقية بأن دول الأوبك لن تكون قادرة على زيادة إنتاجها بما يتناسب مع الزيادة في الطلب على النفط.
ورغم أن هذه الطفرة الكبيرة في الأسعار قد تُسعد الدول المصدرة للنفط ومنها دولة قطر باعتبار أنها تنعكس في صورة زيادات كبيرة في إيراداتها العامة وموازينها وحساباتها الجارية، إلا أنها تشكل لها في المقابل مصدر قلق من عدة زوايا:
الأول أن الارتفاع الكبير في أسعار النفط يؤثر سلباً على اقتصادات الدول المستهلكة فيعمل على تباطؤ أو ركود تلك الاقتصاديات- وهو ما بتنا نشاهده الآن في المانيا واليابان وغيرها- ومثل هذا الأثر يؤدي بعد فترة إلى تراجع الطلب على النفط، ومن ثم إلى انخفاض الإيرادات العامة. كما أن الارتفاع الكبير في أسعار النفط له تأثيرات سلبية على اقتصادات الدول النامية والفقيرة مما يعرقل برامجها الإنمائية ويزيد من مصاعبها الاقتصادية.
والأثر الثاني يتلخص في انتقال الأثر التضخمي من الدول المستهلكة للنفط إلى الاقتصاد القطري من خلال الزيادة الكبيرة المنتظرة في أسعار السلع المستوردة، وخاصة السلع الصناعية منها. وقد حدث شيئ من هذا القبيل في الفترة ما بين 1975-1981 وها هو التاريخ يعيد نفسه اليوم.
والأثر الثالث يتمثل في تفاقم العجز في الحساب الجاري الأمريكي باعتبار الولايات المتحدة أكبر دولة مستوردة للنفط ومشتقاته في العالم، وبالتالي يؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط على سعر صرف الدولار، ومن ثم على أسعار صرف الريال القطري أمام اليورو والين والعملات الرئيسية الأخرى. الجدير بالذكر أن عجز الحساب الجاري الأمريكي في الربع الأخير من العام 2004 قد بلغ 187 مليار دولار، وهو ما يعني حاجة الولايات المتحدة إلى استقطاب 2 مليار دولار يومياً من الخارج لدعم استقرار سعر صرف الدولار. ومن الطبيعي أن يزداد هذا الرقم في ظل الزيادة الجديدة والمتوقعة في أسعار النفط.
في ظل هذا التصاعد الكبير في أسعار النفط، وأثره المباشر على معدل التضخم، فإن بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي لن يجد بُداً من رفع معدل الفائدة على الدولار للمرة السابعة على التوالي( ملاحظة: يراجع البنك سياسته بشأن معدلات الفائدة كل شهرين) ليصل معدل الفائدة على الدولار بين البنوك إلى 2.75%. وهذه الزيادة ستجد لها صدى عند البنوك المركزية الخليجية التي جعلت الدولار مثبتاً مشتركاً لعملاتها. وعلى ذلك قد يرفع المصرف أسعار فائدته النقدية هذا الأسبوع ، وبالتالي تعمد البنوك إلى زيادة كل من تكلفة الإقتراض ، والعائد على الودائع.
ولكل من ارتفاع أسعار النفط وارتفاع معدلات الفائدة تأثيرات بعضها إيجابي وبعضها سلبي على أسعار الأسهم المحلية وعلى الاقتصاد القطري بوجه عام . ولعل أول هذه التأثيرات على الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2005/2006 التي ستصدر في الأسبوع القادم . وسنتناول في مقال قادم هذا الموضوع بشيئ من التفصيل إن شاء الله.