نظرة على واقع البورصة قبل إدراج سهم بلدنا”

كتبت مقالا قبل شهرين بعنوان “تأملات في “اتجاهات المؤشر العام للبورصة ” توقعت فيه أن يطرأ ركود على حركة المؤشر فلا يتمكن من تحقيق اختراقات جديدة، وأن يظل محلك سر حتى نهاية العام-على الأقل- فوق مستوى 10200 نقطة، وهو ما حدث بالفعل. وفي حين أن الارتفاع والانخفاض في المؤشرات المالية أمر طبيعي، ويعكس محصلة من العوامل الكثيرة، فإن جموده ضمن مستوى ضيق هو أمر غير صحي، ويحتاج إلى تفسير حتى لا يفقد المستثمرون الثقة في السوق، ويهجرون البورصة كلياً.
ويكفي للدلالة على ما أقول أن أشير إلى ما أظهره تقرير التداولات في الأسبوع الماضي من حجم تداول ضعيف تجاوز بالكاد المليار ريال في أسبوع، مع انفراد المحافظ القطرية بعمليات البيع الصافي بما مجموعه 71.5 مليون ريال، في مقابل قيام المحافظ الأجنبية بشراء صافي بقيمة 57.7 مليون ريال، واقتصار عمليات الشراء الصافي من الأفراد القطريين على 3 ملايين ريال فقط. وقد وضحت الصورة بعد ظهور نتائج الربع الثالث والتي أظهرت تراجع أرباح مجمل الشركات في الشهور التسعة الأولى من العام 2019 عن الفترة المناظرة من العام السابق بنسبة 5%، مع حدوث تراجعات في أرباح عدد لا بأس به من الشركات، وتباطؤ نمو البعض الآخر. وفي مثل هذه الأحوال بدا من غير المتوقع أن تُقدم أغلب الشركات على زيادة توزيعاتها السنوية على المساهمين، وأن يحدث العكس بخفض عدد منها لتوزيعاتها.
ولم يأت تراجع أرباح الشركات من فراغ، وإنما هو انعكاس لجملة من الحقائق الاقتصادية التي في مقدمتها، تراجع النمو الاقتصادي في النصف الأول من العام، وتباطؤ النمو السكاني، واستمرار معدل التضخم لأكثر من سنة دون الصفر.
فالمعروف أن الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الثابتة قد سجل نموا سلبيا في الربعين الأول والثاني من هذا العام، كما تراجع الناتج بالأسعار الجارية أيضا من جراء انخفاض أسعار النفط في عام 2019 عما كان عليه الحال في عام 2018. ولم يسجل عدد السكان زيادة جديدة هذا العام فوق مستوى 2.75 مليون نسمة، مما أثر على توازن العرض والطلب على السلع المختلفة، فاستمر معدل التضخم عند مستوى سلبي دون الصفر بقليل. ولأن البورصة هي مرآة الاقتصاد فإن مجمل المعطيات المشار إليها كان يقتضي أن يحدث تراجع في المؤشر العام للبورصة إلى مستوى 9000 نقطة – أي بنسبة 10%- حتى يحدث تجميع حقيقي على الأسهم من جديد، وكي ينجذب المستثمرون أفرادا ومحافظ لعمليات شراء بغرض تحقيق مكاسب رأسمالية فعلية عند أي ارتفاع في الأسعار، وليس فقط انتظاراً لتوزيعات قد تبدو غير مضمونة أو غير مغرية حتى الآن، وفقا لما أظهرته النتائج الأخيرة للشركات عن الشهور التسعة الأولى من عام 2019.
وخطورة استمرار هذا الوضع غير الطبيعي ليس فقط في جمود حال البورصة؛ والمتمثل في ضعف أحجام تداولاتها، وتراجع أحجام تداولات الأفراد القطريين بوجه خاص، وفي عدم قدرة المؤشرات على تحقيق ارتفاعات جديدة، بل إنه قد يؤثر سلباً على التوسع الأفقي للبورصة بإدراج شركات جديدة في المستقبل. وقد شهدنا في شهر نوفمبر الحالي كيف أن الاكتتاب في أسهم شركة بلدنا قد تمت تغطيته ولكن بدعم من الشركاء الإستراتيجيين، وفي إطار دعم حكومي واضح. وقد كانت حقائق الاكتتاب غير مفهومة بالشكل الكافي لكثير من المهتمين، ومن ثم فإن إدراج سهم شركة بلدنا في البورصة في الشهر القادم، سيكون على المحك، لمعرفة ما سيكون عليه ميزان العرض والطلب على السهم في السوق. وقد توقعت في مقال الأسبوع السابق أن لا ينخفض سعر السهم عند إدراجه حيث لا مصلحة للمكتتبين ببيع السهم دون القيمة الإسمية له، ولكنه لن يرتفع كثيراً عن الريال، إلا إذا قامت بعض المحافظ بالشراء المكثف من باب المضاربة.