هل اقتربت الأزمة المالية العالمية بالفعل؟

تفضيل السندات قصيرة الأجل في قطاع السندات

تمتلأ وسائل التواصل منذ أكثر من عام بالكثير من التنبيهات والتحذيرات بقرب حدوث أزمة عالمية مالية واقتصادية.. وقد سبق أن كتبت مقالاً أو أكثر في هذا الموضوع حاولت أن ألخص فيه أسباب تلك المحاذير. ومع اقترابنا من عام 2020، فإن تلك التنبيهات قد زادت حدتها، وكأننا بتنا على وشك الوقوع بها، ومن أهم علامات قُرب حدوثها تزايد الخوف منها،، وهو ما يدفع المستثمرين إلى الإبتعاد عن الإستثمارات طويلة الأجل، وتفضيل القصيرة الأجل في قطاع السندات، وفي تقليل التعامل في مجالي الأسهم، والعقارات، وزيادة الإقبال على الذهب. وقد يكون من الضروري استذكار ما حدث في قطر إبان الأزمة المالية العالمية في النصف الثاني من عام 2008، لنعرف ماذا يمكن أن يحدث في الأزمة القادمة حال حدوثها.
في أزمة عام 2008، تضررت البنوك بالدرجة الأولى من جراء توسعها في منح القروض لقطاعي العقارات، والأسهم. ومع الإنخفاض الشديد والمفاجئ في أسعار العقارات في شهر أكتوبر إلى نصف ما كانت عليه في صيف ذلك العام، انكشف عدد كبير من المقترضين مع البنوك. ومن جهة أخرى انخفض مؤشر بورصة قطر في تلك الفترة إلى أقل من نصف ما كان عليه قبلها وتحديداً إلى مستوى 5000 نقطة تقريباً. وكان من علامات الأزمة أيضاً انخفاض الطلب العالمي على النفط، وتراجع سعره إلى ثلث ما كان عليه في صيف عام 2008، وتحديداً إلى مستوى 35 دولاراً للبرميل. وقد تعاملت دولة قطر مع الأزمة المالية بمجموعة من السياسات الذكية كان في مقدمتها تقديم ضمانات للبنوك في مواجهة انكشاف قروض العقارات بقيمة 15 مليار ريال، وضمانات أخرى في مواجهة انكشاف قروض الأسهم بقيمة 6 مليار ريال. إضافة إلى ذلك تقرر رفع رؤوس أموال البنوك الوطنية –عدا الوطني والريان- بمساهمة حكومية بنسبة 20%، يتم دفعها على سنتين. وبذلك تجاوزت البنوك في قطر آثار تلك الأزمة، التي أفلست بسببها مئات البنوك في الدول الصناعية. وربما لأن قطر في تلك الفترة كانت في مرحلة نمو مضطرد سواء لتنفيذ مشروع حقل الشمال للغاز، أو مشاريع البنية التحتية، وبسب معدلات الزيادات السكانية المرتفعة في تلك الفترة فإنه سرعان ما تم تجاوز تداعيات تلك الأزمة على الناس وعلى الإقتصاد في قطر، وخاصة مع عودة أسعار النفط إلى الارتفاع.
لكن الأمر يبدو مختلفاً هذه المرة، فمرحلة تنفيذ المشروعات الضخمة قد أوشكت على الإنتهاء، وعدد السكان قد وصل ذروته عند مستوى 2.75 مليون نسمة، وهو مرشح للتراجع اعتباراً من عام 2020، كما قالت بذلك لجنة السكان قبل عام. ومعدل التضخم –الذي بلغ ذروته قبل أزمة عام 2008 بوصوله إلى مستوى 17%، قد انخفض إلى أقل من 1% في عام 2018، بل وتحول إلى سالب 1% في الإثني عشر شهراً الأخيرة. وأسعار العقارات والإيجارات قد تراجعت بشكل ملحوظ، يشهد على ذلك مؤشر مصرف قطر المركزي للعقارات الذي وصل ذروته عند مستوى 311.5 نقطة في مارس 2016، لينخفض تدريجياً إلى مستوى 238.9 نقطة في يونيو 2019.
وأما أسعار الأسهم المحلية، فهي تتأرجح صعوداً وهبوطاً دون مستوى 10700 نقطة الذي وصله المؤشرفي يناير الماضي. وتبدو الأسعار غير قادرة على تحقيق اختراقات جديدة مثلها في ذلك مثل بقية مؤشرات الأسهم العالمية والأقليمية. ومن غير المتوقع حدوث انفراجات قريبة في هذا الأمر بسبب التراجع الذي سجله سعر برميل النفط في عام 2019 من ناحية، وبسبب تراجع أرباح الشركات المدرجة في البورصة في النصف الأول من هذا العام.
ولو نظرنا إلى الأسعار العالمية للذهب، فسنجد أنها قد عادت إلى الارتفاع مجدداً فوق مستوى 1500 دولار للأونصة، بما يعني زيادة الإقبال على اقتناء الذهب من جانب الدول والمؤسسات والأفراد.
والخلاصة أننا قد اقتربنا بالفعل من الأزمة ولكن بدون ضجيج كذاك الذي حدث في عام 2008. وسنعود للمزيد من الحديث في هذا الموضوع في مقال آخر إن شاء الله.