أولويات مرحلة التحول السياسي والاقتصادي(2-2)

توقفت في مقال الأسبوع الماضي عند بعض ما ورد في الخطاب الهام لحضرة صاحب السمو الأمير المفدى، وركزت في تعليقي على مقولة سموه بأن المرحلة الحالية باتت تفرض علينا مراجعة أولوياتنا السياسية والاقتصادية لتمتين وتعزيز قدرة البلاد على الصمود والتصدي في مواجهة كل محاولات النيل من استقلالها أو العبث بمقدراتها. وأعرض في مقال اليوم لجوانب أخرى هامة وردت في خطاب سموه وبوجه خاص ما قاله عن ضرورة العمل على استكشاف وتشخيص النواقص والعثرات؛ فقد قال سموه تحديداً “لقد دفعت هذه الأزمة المجتمع القطري إلى استكشاف مكامن قوته وتشخيص النواقص والعثرات”. “ونحن اليوم بحاجة للاجتهاد والإبداع والتفكير المستقل والمبادرات البناءة ، بحيث لا يكون ما حدث موجة حماس عابرة، بل أساسا لمزيد من الوعي في بناء الوطن”.”وإن المرحلة التي تمر بها قطر حاليا هي مرحلة بالغة الأهمية لسد النواقص وتصحيح الأخطاء، ونحن كما تعلمون لا نخشى من تشخيص الخطأ وتصحيحه”.
وقد أشرت في مقالات سابقة عديدة إلى أن المعالجات التي تتم في كثير من الجوانب الإقتصادية والمالية بحاجة إلى مراجعة وتصويب حتى تنطلق المسيرة المباركة بدون عثرات أو تأخير. وعلى سبيل المثال تم مؤخراً اعتماد منهجية النافذة الواحدة في إقرار وترخيص المشروعات التي يتقدم القطاع الخاص لترخيصها. وكان تعدد النوافذ مصدراً لفشل أو تكبد الكثير من المشروعات لخسائر كبيرة. ورغم أن فكرة النافذة الواحدة ليست بالجديدة، وأن التوجيهات السامية قد صدرت بتفعيلها منذ بداية الألفية، إلا أن وضع ذلك موضع التنفيذ قد تأخر كثيراً.
ومن جهة أخرى لا بد من الإشارة إلى أن هناك غالباً عدم توافق أو انسجام في رؤية رجال الإعمال من جهة ، والمسؤولين الحكوميين من جهة أخرى عند التصدي لإقامة مشروعات أو خطط استراتيجية، مما يتسبب في تعطيل تنفيذ بعض المبادرات والمشروعات التي يتم طرحها، أو على الأقل عدم نجاحها بالصورة المنشودة. وعلى سبيل المثال، يحتاج رجال الأعمال إلى تخصيص أراضي لإقامة منشآت الأعمال، مع إختلاف طبيعة ومساحة تلك المنشآت من نشاط لآخر. ومن ثم يرى بعض رجال الأعمال ضرورة قيام غرفة التجارة بدور أكبر في هذا المجال للتنسيق مسبقاً بينهم وبين الجهات الحكومية المختصة عند وضع أية تصورات أو خطط استراتيجية مستقبلبة.
وفي موضوع آخر أشرت في مقالات سابقة عديدة إلى أن تنشيط وضع بورصة قطر يتطلب مراجعة لكثير من الأمور الحاكمة في الموضوع، وذكرت أن النجاح ليس معضلة، خاصة وأن البورصة قد حققت نجاحاً منقطع النظير في السنوات الأولى من الألفية وحتى عام 2007، وكان معيار النجاح هو نمو عدد الشركات، وأحجام التداولات اليومية، والمستويات المرتفعة للمؤشر العام، وأداء الشركات المدرجة وما تحققه من أرباح، وما توزعه على المساهمين من عوائد. ورغم أن الاقتصاد القطري قد حقق مستويات عالية من الإزدهار والنمو بفضل الله ومن ثم ارتفاع أسعار النفط حتى عام 2015 إلى مستويات مرتفعة، ووصول الطاقة الإنتاجية لمشروع الغاز إلى مستوى 77 مليون طن سنوياً، فإن ذلك لم يعكسه أداء البورصة التي هي مرآة الاقتصاد. فهل الخلل في الكيفية التي تُدار بها البورصة، بمعنى أنها تدار بالمنهج الحكومي وليس بمنهج رجال الأعمال، ومن ثم لماذا لا تتحول البورصة إلى شركة عامة تُدرج أسهمها للجمهور؟؟ أم أن الخلل هو في الكيفية التي تُدار بها الشركات المدرجة، ومن يطلع هذه الأيام على النتائج المالية وإفصاحات الشركات عن النصف الأول من العام يجد تباينا شديداً في كيفية الطرح إلى الحد الذي يتم فيه إظهار بعض الشركات على أنها محققة أرباحاً كبيراً في الوقت الذي تدل نتائجها على تحقيق خسائر ستمنعها من توزيع أرباح بنهاية العام، وهو ما يضر بالمساهمين أي ضرر ويحول دون اتخاذهم لقرارات استثمارية سليمة.