أرشيف التصنيف: الاقتصاد القطري

رفع معدلات الفائدة.. الأسباب والتأثيرات المحتملة

سارعت البنوك المركزية في دول مجلس التعاون التي تربط أسعار عملاتها بالدولار إلى الاقتداء بخطوة رفع سعر الفائدة التي قام بها مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، مع كون الرفع قد تم بالمقدار نفسه أي بواقع 0.25%، أو ما يطلق عليه 25 نقطة أساس على كل من سعر إيداع البنوك أو اقتراضها من البنك المركزي.

والهدف من اتخاذ هذه الخطوة هو الإبقاء على استقرار أسعار صرف العملات الخليجية وعدم تعرضها لضغوط عمليات البيع. فعندما يكون سعر الصرف ثابتا ومعدل الفائدة مختلفا، فإن المستثمر يأمن على نفسه عند الانتقال من العملة ذات الفائدة الأقل إلى العملة ذات الفائدة الأعلى دون أن يخسر بشكل جوهري من تحركات أسعار الصرف وتذبذباتها.

وكان المعدل قد ظل لسنوات طويلة دون نصف بالمائة، مما استوجب الإبقاء على معدلات الفائدة دون تغيير ضمن المحاولات المبذولة لتنشيط الاقتصاد. وقد كان من المنتظر أن يتم رفع المعدل على الدولار مرتين أُخريين هذا العام نظرًا لتجاوز التضخم المستوى المستهدف، ولكن تصريحات لاحقة صدرت يوم الجمعة استبعدت ذلك لدواعي واعتبارات، منها الرغبة في استقرار أسعار صرف الدولار مقابل العملات الرئيسية الأخرى. حيث كما أشرنا فإن ارتفاع هامش سعر الفائدة بين العملات يدعم أسعار صرف العملات ذات الفائدة الأعلى في مواجهة بقية العملات الأخرى. وسبب آخر لتأخير خطط الرفع الإضافي هو ضخامة الدين العام الأمريكي الذي بلغ مع بداية عهد ترامب نحو 19 تريليون دولار، أي 19 ألف مليار دولار. فزيادة معدل الفائدة تعني زيادة فوائد خدمة الدين العام على الخزينة الأمريكية. الجدير بالذكر أن الرئيس ترامب قد وعد بسداد هذه المديونية الضخمة في 8 سنوات بواقع 2.4 تريليون دولار سنويًا، وهو أمر يشكك المراقبون في إمكانية حدوثه.

زيادة أسعار الفائدة إذن تدعم بقاء سعر صرف الدولار قويًا أمام العملات الرئيسية الأخرى، وإن كان من غير المرجح أن يرتفع السعر كثيرًا عن مستوياته الراهنة باعتبار أن ذلك الأمر سيضر بتنافسية الصادرات الأمريكية، ويزيد من تدفق الواردات السلعية للولايات المتحدة، فيزداد عجز الميزان التجاري الأمريكي سوءًا. ومن جهة أخرى فإن زيادة معدلات الفائدة في المستقبل المنظور سواء على الدولار أو على غيره من العملات الرئيسية، إنما يضعف من فرص حدوث ارتفاع كبير في سعر الذهب كما حدث في أعقاب الأزمة المالية العالمية عندما ارتفع سعر الأونصة إلى 1920 دولارا، في وقت لامست فيه معدلات الفائدة الصفر. وفي حين أن أي ارتفاع في سعر الذهب يظل ممكنًا في حال حدوث أزمات وصراعات عسكرية كبيرة، فإنه بخلاف ذلك سيظل سعر الأونصة مستقرًا فوق الألف ومائة دولار.

وفي قطر ودول الخليج، يترتب على رفع أسعار الفائدة على العملات، ارتفاع تكلفة الاقتراض من مستوياته المنخفضة جدًا، في وقت تتراجع فيه معدلات النمو الاقتصادي، وينخفض فيه معدل التضخم في قطر بشكل مضطرد إلى مستوى 0.7% فقط في شهر فبراير مقارنة بـ1.2% في يناير و1.8% في ديسمبر و2% في نوفمبر و2.2% في أكتوبر، و2.6% في سبتمبر. أي أن قطر قد رفعت معدلات الفائدة في وقت يتراجع فيه معدل التضخم، ولا يرتفع كما هو الحال في الولايات المتحدة، باعتبار أن الأولوية في اتخاذ القرار هي لضبط سعر صرف الريال أمام عملة الربط وهي الدولار، لا لزيادة معدل النمو الاقتصادي.

ومن ثم فإن من المتوقع أن يكون لقرار رفع الفائدة على الريال تأثيرات بعضها إيجابي مثل تحسين السيولة لدى البنوك، حيث سيميل الجمهور إلى زيادة إيداعاته لديها من ناحية، وتزيد عوائد البنوك من هامش الفائدة على الودائع من ناحية أخرى.

والملاحظ أن مصرف قطر المركزي قد أقدم أيضًا على خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي إلى 4.5% مقارنة بـ4.75% في السابق. الجدير بالذكر أن النسبة كانت قبل عشر سنوات في حدود 3% فقط. وبموجب النسبة الجديدة يكون على كل بنك الاحتفاظ بمعدل أقل من الودائع لديه لدى المركزي (أي 4.5 مليون ريال لكل 100 مليون ريال) من دون فائدة، وهو ما يعني حرص المركزي على زيادة السيولة لدى البنوك وزيادة هامش ربحها. وأتوقع أن تنخفض هذه النسبة حلال العام الحالي إلى 4% أو أقل.

هل يصل عدد سكان قطر إلى 3 ملايين نسمة في 2020؟

صدرت يوم الخميس الماضي تقديرات جديدة لعدد القاطنين المتواجدين في قطر من قطريين ومقيمين مع نهاية شهر فبراير، وحملت الأرقام الواردة بعض المفاجآت التي تستحق رصدها والوقوف عند مدلولاتها. فبعد تراجع ملحوظ في شهري ديسمبر ويناير الماضيين – ربما بسبب موسم إجازات منتصف العام وأعياد الميلاد – فإن الرقم الإجمالي قد ارتفع مع نهاية فبراير إلى مستوى 2.67 مليون نسمة.

وكانت المفاجأة في حجم الزيادة الشهرية ونسبتها المرتفعة من ناحية، وفي وصول الرقم إلى أعلى مستوى تاريخي له من ناحية ثانية. فمعدل زيادة شهرية بنسبة 3.75% عن يناير هو معدل مرتفع جداَ، ولكن ما يقلل من صدمة الرقم أنه جاء بعد انخفاض لشهرين متتالين كما أسلفنا. ومن جهة أخرى نجد أن الرقم الإجمالي للسكان المتواجدين في قطر قد ارتفع بنسبة 5% على معدل سنوي، أي بالمقارنة بما كان عليه الحال مع نهاية فبراير من العام 2016. وبذلك يكون معدل الزيادة السنوية للسكان قد تباطأ بشكل ملحوظ عن سنوات سابقة عندما كان يصل إلى 11% سنويًا. وبنتيجة هذا التباطؤ في النمو، فإن المحصلة النهائية هي توقع حدوث المزيد من الزيادة في العدد الإجمالي للسكان خلال الأعوام الثلاثة القادمة، ليصل إلى مستوى 3 ملايين نسمة مع بداية عام 2020. وسيتم الوصول إلى هذا الرقم رغم أن معدل النمو سيتباطأ إلى 4% أو أقل في الفترة القادمة. المعروف أن معدل الزيادة الطبيعية للسكان من دون التدفقات السكانية للعمالة الوافدة تكون في حدود 3% سنويًا، وما لم تحدث هجرة معاكسة للمقيمين بسبب انتهاء العمل في المشروعات الجاري تنفيذها حاليًا، فإن رقم الـ3 ملايين نسمة سيتم الوصول إليه إن عاجلًا – أي في 3 سنوات – أو في فترة أطول قليلًا ربما في عام 2022.

وفي التفاصيل نجد أن انخفاض الرقم الخاص بأسعار الغذاء والمشروبات، وتسجيله تغييرًا سالبًا (1.2) % عن فبراير 2016، أمر مفهوم استنادًا لانخفاض أسعار واردات الأغذية، المترتب على استمرار تقوي سعر صرف الدولار عالميًا. كما يمكن بنفس المنطق أن نفهم انخفاض الرقم الخاص بأسعار الملابس والأحذية بنسبة سالب 1.7 في سنة، وانخفاض الرقم الخاص بالأثاث والأجهزة بنسبة سالب0.2%. إلا أن غير المفهوم هو انخفاض الرقم المركب للسكن والماء والكهرباء والغاز والوقود بنسبة سالب 0.4%. فكما هو معروف فإن أسعار الوقود قد واصلت ارتفاعها في الشهور الأخيرة ووصلت إلى مستويات عالية مقارنة بما كانت عليه قبل سنة. كما أن أسعار الكهرباء والماء لم تنخفض، فهل هذا الانخفاض الطفيف في الرقم بنسبة سالب 0.4% عائد إلى تراجع معدلات الإيجارات السكنية؟ وهل يمكن أن يحدث ذلك في وقت لا يزال إجمالي عدد السكان يواصل ارتفاعه إلى مستويات غير مسبوقة؟ أم أن هذه الزيادات السكانية الأخيرة هي لفئات العمال التي تسكن عادة في مواقع العمل، ولا تشكل بالتالي طلبًا إضافيًا على الوحدات السكنية؟ أم أن الزيادة في المعروض من الوحدات السكنية قد باتت تفوق الزيادة في الطلب عليها؟؟ وماذا سيحدث عندما يتم تدشين المجمعات السكنية الجديدة التي أعلنت عنها أزدان خلال هذا العام؟

ورغم أن انخفاض معدل التضخم هو من وجهة نظر المستهلكين أمر حميد، حيث يحافظ على قوتهم الشرائية، بعكس ما يحدث في دول أخرى تعاني من ارتفاع مستمر في أسعار السلع، إلا أن انخفاض المعدل دون مستوى معين يتراوح ما بين 2 – 2.5% هو أمر غير حميد، لأنه يعكس تباطؤًا في النمو الاقتصادي، وينتقل أثره إلى كل من فرص العمل المتاحة من ناحية، وربحية الشركات من ناحية أخرى. وبالنسبة لهذه النقطة الأخيرة، تبين لنا من نتائج 39 شركة تم الإفصاح عنها حتى الآن أن الأرباح المجمعة لها قد انخفضت في عام 2016 بنسبة 11.3% إلى مستوى 37.9 مليار ريال، مع كون الانخفاض قد حدث في معظم القطاعات.