أرشيف التصنيف: الاقتصاد القطري

وقفة مع واقع القطاع الزراعي في قطر

بات من المؤكد الآن أنه بات على كافة الجهات المعنية في الدولة، كلٌ فيما يخصه مراجعة وتقييم ما تم إنجازه في العقد الأخير على الأقل، والوقوف على مواطن القوة والضعف من أجل معالجة الخلل أينما كان، ولتحقيق انطلاقة جديدة على ضوء ما استجد من تطورات في الأزمة الخليجية خلال هذا الصيف. ولعل من بين الموضوعات العاجلة والمهمة التي باتت تحتاج إلى مراجعة، تقييم ما وصل إليه الإنتاج الزراعي والحيواني في قطر من قدرة على تلبية الإحتياجات المحلية، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، الذي يُقاس من خلال نسبة الإنتاج الوطني مقارنة بإجمالي الاستهلاك المحلي.
وقد عرضت الجزيرة مؤخرا من خلال برنامجها القيم “الإقتصاد والناس” لموضوع الإنتاج الزراعي في قطر وما حققته شركة “حصاد” من نجاح في تحقيق الإكتفاء الذاتي في إنتاج بعض المحاصيل . ومن بين ما كشفت عنه حصاد في البرنامج أنه يوجد في قطر نحو 1300 مزرعة مساحتها تقل عن 12 ألف هكتار، بينما مساحة الأراضي القابلة للزراعة تصل إلى 65 ألف هكتار تشكل نحو 5% من إجمالي مساحة البلاد. وتنتج المزارع سنوياً نحو 206 ألف طن من الخضراوات والتمور والأعلاف ومنتجات أخرى، بما يغطي 30% من الطلب المحلي على الخضراوات. وقالت حصاد إنها تأمل أن يرتفع عدد المزارع إلى 2000 مزرعة في السنوات القليلة المقبلة. وأشارت إلى إن قطر قد حددت عام 2023 للوصول إلى تأمين 70% من احتياجاتها الغذائية، وعام 2030 لتحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل، علما بأنها تحقق الآن نسبة 90% في قطاع إنتاج الألبان.
ولكي نتفهم التحديات التي تواجه رجال الأعمال في تطوير هذا القطاع، نشير إلى حاجة القطاع إلى أمرين أساسيين هما الأرض والماء. فمن حيث الأرض معلوم أن معظم الأراضي محميات طبيعية، ثم إن تركز الإهتمام في العقدين الماضيين على تطوير الصناعة واستغلال حقل الشمال للغاز، وما صاحب ذلك من زيادة سكانية مضطردة، قد رفع أسعار الأراضي إلى مستويات مرتفعة جداً بحيث بات من المكلف شراء أرض بعشرات الملايين من الريالات لإقامة مشروع زراعي تقليدي. كما أن هنالك قيود حكومية على توسع الأراضي الزراعية المنتجة فعلياً فيما حولها. ومن جهة أخرى نجد أنه في ظل الظروف المناخية السائدة، وقلة المياه الجوفية المتاحة للري، ووجود قيود حكومية على حفر أبار ارتوازية إضافية جديدة في أي مزرعة قائمة يجعل الإعتماد الأساسي في أي مشروع زراعي ينصب على المياه المحلاة، وهي أيضاً متاحة لدى الحكومة، ويقال إن الفائض منها يُعاد التخلص منه في البحر.
ولا بد من الإشارة إلى أنه بالإشارة إلى العوامل المشار إليها في إضعاف نمو قطاع الزراعة في الفترة السابقة، فإن عضوية قطر في مجلس التعاون الخليجي قد ساهمت على مدى ثلاثة عقود في تعميق هذا الضعف،حيث كان يتم السماح للمنتجات الخليجية للدخول إلى قطر بدون رسوم جمركية بينما كانت المنتجات القطرية تعاني من عدم القدرة على تصريف منتجاتها في الأسواق الحليجية.
ولكي يتم تحقيق الأهداف الموضوعه لتطوير القطاع الزراعي بما يساعد على الاكتفاء الذاتي من المنتجات المختلفة، لا بد من اعتماد الحكومة لعدد من الخيارات التي تضمن حدوث ذلك ومنها:
1- دراسة أوضاع المزارع غير المنتجة للوقوف على احتياجاتها المختلفة، والعمل على مراجعة القوانين المضيقة لموضوع توسع الأراضي الزراعية.
2- تشجيع رجال الأعمال على دخول مجال الإنتاج الزراعي والحيواني من خلال تأجير الأراضي الصالحة للزراعة بمبالغ معقولة تضمن نجاح المشروع.
3- العودة إلى توفير قدر أكبر من الدعم لقطاع الزراعة سواء التقاوي والبذور أو المبيدات الحشرية أو تأمين المساعدة في مجال المعدات الزراعية.
4- السماح بحفر المزيد من الآبار في الأراضي الزراعية وتوفير مياه إضافية للري من مياه التحلية الفائضة.
5- اعتماد أساليب متطورة في إقامة المزارع النموذجية التي تحقق أكبر قدر من الإنتاج بجودة عالية، وبتكنولوجيات متطورة ومتكاملة.
6- تقديم الدعم الحكومي للمنتج المحلي من خلال آليات مناسبة وأجندة زراعية تحقق دخل يغطي التكلفة مع هامش ربح يضمن الإستمرار.
وبعد كانت هذه وقفة سريعة مع موضوع دعم الإنتاج الزراعي والحيواني في قطر بما يضمن تحقيق الإكتفاء الذاتي المأمول في المرحلة القادمة، والأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسة والتفصيل.

بطاقة الإقامة الدائمة، خطوة عصرية مستحقة

في الوقت الذي تتشدد فيه بعض دول الجوار في معاملة المقيمين على أرضها وتُغالي في فرض الرسوم عليهم، إذا بحكومة دولة قطر تفاجئ العالم يوم 2 أغسطس بمناقشة مشروع قانون الإقامة الدائمة لغير القطريين. وتأتي هذه الخطوة في أطار ما وجه به حضرة صاحب السمو الأمير المفدى حفظه الله، من أن تكون قطر بعد الأزمة بخلاف ما كانت عليه قبلها. ويُعطي القانون لوزير الداخلية حق “منح بطاقة الإقامة الدائمة لغير القطري إذا توافرت فيه الشروط”. وفي حين لم يذكر الخبر تلك الشروط، فإنه قد أشار إلى فئات أخرى يجوز للوزير منحُها البطاقة وهي “أبناء القطرية المتزوجة بغير قطري”، “والذين أدوا خدمات جليلة”، “وذوي الكفاءات الخاصة التي تحتاج إليها الدولة”.وتمنح الإقامة الدائمة حامليها عدداً من الامتيازات تتمثل في معاملتهم معاملة القطريين في التعليم والرعاية الصحية”، والأولوية في التعيين بعد القطريين، و”الحق في التملك العقاري، وفي “ممارسة بعض الأنشطة التجارية من دون شريك قطري”. وقد أشارت وكالة الأنباء إلى أن التنفيذ بانتظار صدور القانون، والقرارات التنفيذية التي سيصدرها مجلس الوزراء بشأنه”، وبإنشاء لجنةٌ “منح بطاقة الإقامة الدائمة”.
وقد لاقى مشروع القانون استحسانا وترحيباً من جانب القطريين والمقيمين على السواء، لما سيكون له من تأثير هام في دفع عجلة التنمية الإقتصادية في قطر. فالقوانين والإجراءات والضوابط التي نظمت موضوع إقامة العمالة الوافدة في العقود الخمسة الماضية، لم تعد تواكب التطور المستمر الذي أصابته البلاد والذي باتت بموجبه تحصل على المراكز المتقدمة في التصنيفات الدولية، كالتصنيفات السنوية للمنتدى الاقتصادي العالمي. وتحتل قطر اليوم مراكز متقدمة على الصعيد العالمي فهي أكبر منتج للغاز المسال في العالم، ولديها مجمعات صناعية ومراكز تعليمية وأبحاث، ولديها أفضل شركة خطوط جوية في العالم، وموانئ بحرية، ومطارات، ومستشفيات ضخمة، فضلاً عن سعيها منذ تفجر الأزمة الخليجية لتطوير الإنتاج الزراعي والحيواني لديها بما يحقق الإكتفاء الذاتي. وهذا المستوى المتقدم جداً من التطور والنمو قد تحقق في ظل زيادة مضطردة في عدد السكان وصلت به اليوم إلى خمسة أمثال ما كان عليه في تعداد عام 1997، عندما بلغ 522 ألف نسمة. ومن ثم فليس بالإمكان بعد كل ذلك أن يظل تشغيل كل هذه المرافق معتمداً على عمالة غير دائمة وغير مستقرة.
إن نظام الإقامة المؤقتة، يحرم قطر من تراكم الخبرات لدى العاملين الأجانب، الذين يسعون إلى تأمين مستقبلهم بالبحث عن فرص أفضل للإقامة الدائمة في بلدانهم الأصلية، أو في دول أخرى. ولذلك نقول، إن نمو قطر وإزدهارها هو في العمل على تشجيع العمالة الوافدة المتميزة على البقاء في قطر، واستثمار مدخراتهم بها. وقد تطرقت إلى هذا الموضوع أكثر من مرة،، وكان أولها عام 1996 في كتاب بعنوان ” قطر على أبواب القرن الحادي والعشرين،، رؤية اقتصادية”،، وأشرت في فصله الأول إلى أهمية إقرار موضوع الإقامة الدائمة على النحو الذي ورد في مشروع القانون هذا الأسبوع.
وينتظر جمهور الوافدين الآن بشغف صدور القانون، للتعرف على الشروط التي تؤهلهم للحصول على الإقامة الدائمة؛ فبخلاف الفئات التي ذكرها المشروع والمشار إليها أعلاه، فإن التكهنات تتوقع أن يكون ذلك مرتبطاً بإقامة الوافد في قطر لعدد من السنوات، أو بالولادة في قطر والدراسة فيها، أو لأبناء وبنات الحاصلين على الإقامة الدائمة. الجدير بالذكر أن قانون الجنسية الذي صدر في عام 2005 قد حدد شروطاً للحصول على الجنسية منها أن يكون المتقدم قد أقام بطرق مشروعة في قطر لمدة لا تقل عن خمس وعشرين عاماً متتالية، وأن يكون له وسيلة مشروعة للرزق، وأن يكون محمود السيرة وحسن السمعة، ولم يسبق إدانته بحكم نهائي بإحدى الجرائم المخلة بالشرف أو الأمانة، وأن يجيد التعامل باللغة العربية وعلى دراية كافية بها. ومن المتوقع أن تأتي شروط منح بطاقة الإقامة الدائمة منسجمة مع شروط منح الجنسية، على أن تكون أيسر منها في التطبيق. وفي حين يتخوف البعض من بُطء التنفيذ على غرار ما هو حاصل في موضوع التجنيس، فإنني أتوقع عكس ذلك لاعتبارات كثيرة؛ منها ما هو ديموغرافي، وسياسي، واقتصادي. ومن حيث الاعتبارات الاقتصادية نجد أن هذه الخطوة ضرورية لإستمرار نمو الاقتصاد القطري وعدم انكماشه بعد انتهاء المرحلة الحالية التي تشهد نموا مضطردا في البُنية التحتية.
والله نسأل أن تكون هذه الخطوة فاتحة خير وأمل لقطر ولأهلها والمقيمين فيها.

أولويات مرحلة التحول السياسي والاقتصادي(2-2)

توقفت في مقال الأسبوع الماضي عند بعض ما ورد في الخطاب الهام لحضرة صاحب السمو الأمير المفدى، وركزت في تعليقي على مقولة سموه بأن المرحلة الحالية باتت تفرض علينا مراجعة أولوياتنا السياسية والاقتصادية لتمتين وتعزيز قدرة البلاد على الصمود والتصدي في مواجهة كل محاولات النيل من استقلالها أو العبث بمقدراتها. وأعرض في مقال اليوم لجوانب أخرى هامة وردت في خطاب سموه وبوجه خاص ما قاله عن ضرورة العمل على استكشاف وتشخيص النواقص والعثرات؛ فقد قال سموه تحديداً “لقد دفعت هذه الأزمة المجتمع القطري إلى استكشاف مكامن قوته وتشخيص النواقص والعثرات”. “ونحن اليوم بحاجة للاجتهاد والإبداع والتفكير المستقل والمبادرات البناءة ، بحيث لا يكون ما حدث موجة حماس عابرة، بل أساسا لمزيد من الوعي في بناء الوطن”.”وإن المرحلة التي تمر بها قطر حاليا هي مرحلة بالغة الأهمية لسد النواقص وتصحيح الأخطاء، ونحن كما تعلمون لا نخشى من تشخيص الخطأ وتصحيحه”.
وقد أشرت في مقالات سابقة عديدة إلى أن المعالجات التي تتم في كثير من الجوانب الإقتصادية والمالية بحاجة إلى مراجعة وتصويب حتى تنطلق المسيرة المباركة بدون عثرات أو تأخير. وعلى سبيل المثال تم مؤخراً اعتماد منهجية النافذة الواحدة في إقرار وترخيص المشروعات التي يتقدم القطاع الخاص لترخيصها. وكان تعدد النوافذ مصدراً لفشل أو تكبد الكثير من المشروعات لخسائر كبيرة. ورغم أن فكرة النافذة الواحدة ليست بالجديدة، وأن التوجيهات السامية قد صدرت بتفعيلها منذ بداية الألفية، إلا أن وضع ذلك موضع التنفيذ قد تأخر كثيراً.
ومن جهة أخرى لا بد من الإشارة إلى أن هناك غالباً عدم توافق أو انسجام في رؤية رجال الإعمال من جهة ، والمسؤولين الحكوميين من جهة أخرى عند التصدي لإقامة مشروعات أو خطط استراتيجية، مما يتسبب في تعطيل تنفيذ بعض المبادرات والمشروعات التي يتم طرحها، أو على الأقل عدم نجاحها بالصورة المنشودة. وعلى سبيل المثال، يحتاج رجال الأعمال إلى تخصيص أراضي لإقامة منشآت الأعمال، مع إختلاف طبيعة ومساحة تلك المنشآت من نشاط لآخر. ومن ثم يرى بعض رجال الأعمال ضرورة قيام غرفة التجارة بدور أكبر في هذا المجال للتنسيق مسبقاً بينهم وبين الجهات الحكومية المختصة عند وضع أية تصورات أو خطط استراتيجية مستقبلبة.
وفي موضوع آخر أشرت في مقالات سابقة عديدة إلى أن تنشيط وضع بورصة قطر يتطلب مراجعة لكثير من الأمور الحاكمة في الموضوع، وذكرت أن النجاح ليس معضلة، خاصة وأن البورصة قد حققت نجاحاً منقطع النظير في السنوات الأولى من الألفية وحتى عام 2007، وكان معيار النجاح هو نمو عدد الشركات، وأحجام التداولات اليومية، والمستويات المرتفعة للمؤشر العام، وأداء الشركات المدرجة وما تحققه من أرباح، وما توزعه على المساهمين من عوائد. ورغم أن الاقتصاد القطري قد حقق مستويات عالية من الإزدهار والنمو بفضل الله ومن ثم ارتفاع أسعار النفط حتى عام 2015 إلى مستويات مرتفعة، ووصول الطاقة الإنتاجية لمشروع الغاز إلى مستوى 77 مليون طن سنوياً، فإن ذلك لم يعكسه أداء البورصة التي هي مرآة الاقتصاد. فهل الخلل في الكيفية التي تُدار بها البورصة، بمعنى أنها تدار بالمنهج الحكومي وليس بمنهج رجال الأعمال، ومن ثم لماذا لا تتحول البورصة إلى شركة عامة تُدرج أسهمها للجمهور؟؟ أم أن الخلل هو في الكيفية التي تُدار بها الشركات المدرجة، ومن يطلع هذه الأيام على النتائج المالية وإفصاحات الشركات عن النصف الأول من العام يجد تباينا شديداً في كيفية الطرح إلى الحد الذي يتم فيه إظهار بعض الشركات على أنها محققة أرباحاً كبيراً في الوقت الذي تدل نتائجها على تحقيق خسائر ستمنعها من توزيع أرباح بنهاية العام، وهو ما يضر بالمساهمين أي ضرر ويحول دون اتخاذهم لقرارات استثمارية سليمة.

أولويات مرحلة التحول السياسي والاقتصادي

بكلمات هادئة رصينة أطل حضرة صاحب السمو الأمير المفدى على شعبه وعلى العالم، ليعلن أننا رغم مرارة الحصار الذي فرضه الأشقاء علينا إلا أن روح التضامن والتآلف والتحدي للشعب القطري قد خيبت آمال الذين راهنوا على عكس ذلك..وأكد سموه على نجاعة الحكومة بكل وزاراتها ومؤسساتها في مواجهة الأزمة، ونجاحها في توفير كافة احتياجات السكان في زمن قصير. ومع ذلك فإن الأزمة قد نبهتنا إلى ضرورة فتح اقتصادنا للمبادرة والإستثمار كي ننتج كل ما نحتاجه من غذاء ودواء، وأن نعمل على تنويع مصادر دخلنا. وفي تقديري أن الخطة الإستراتيجية الثانية للحكومة 2017-2021 التي بدأت مع مطلع هذا العام يجب أن يُعاد النظر في أولوياتها على ضوء ما حدث. فإذا كانت المرحلة تركز أساساً على ضرورة الإنتهاء من مشروعات البُنية التحتية سواء العادية منها أو اللازمة لاستكمال منشآت كأس العالم 2022، فإن الأزمة قد كشفت لنا أهمية الإعتماد على النفس في توفير احتياجاتنا الأساسية، وأن نسارع إلى إقامة المزارع والمصانع والمراكز التي توفر لنا تلك الإحتياجات بلا انقطاع، مع إمكانية التصدير أيضاً.ونحمد الله على أن المراحل السابقة التي انتهت دولة قطرمنها قد مكنتها من زيادة طاقاتها الإنتاجية من الغاز إلى المستوى الذي وفر لها مداخيل كبيرة وفوائض مالية ضخمة تُعينها في المرحلة الحالية والقادمة على تحقيق ما أشار إليه حضرة صاحب السمو الأمير. 

لقد كانت التوجهات السابقة قبل الأزمة تقوم على مراعاة التوافق خليجيا في إطار الإتفاقية الإقصادية الموحدة بين دول المجلس، فلا نعمل على منافسة المنشآت والمصانع القائمة في الدول الأخرى، طالما أن حرية تدفق البضائع المنتجة في الدول الأخرى بدون عوائق وبدون رسوم جمركية، مكفولة ومضمونة في كل الأوقات. وكانت قطر تعمل على الإستفادة من كل المرافئ والتسهيلات المتاحة في دول خليجية أخرى مثل جبل على في دبي، دون أن تبحث أو تفكر في إقامة تسهيلات بديلة في قطر. وفي خطط التصنيع كانت قطر تراعي عدم إقامة منشآت منافسه جديدة لما هو قائم في دول خليجية أخرى، إلا إذا كان لديها ميزة تنافسية واضحة كتوفر الغاز بكميات ضخمة. وكانت تتطلع دائماً إلى التعاون بدل التنافس بالبحث في إقامة مشروعات مشتركة، فكان منها مصنع الألومنيوم الخليجي في البحرين، ومشروع الربط الكهربائي المشترك بين دول المجلس، ومشروع خط السكة الحديد المشترك.

وقد شرعت قطر منذ تفجر الأزمة في إقامة عدد من المنشآت الزراعية والحيوانية التي توفر الإحتياجيات المحلية من المنتجات المختلفة، وساعدها في ذلك عاملين مهمين الأول هو أسطولها الجوي الضخم من ناحية، وتوفر الخطوط الملاحية البحرية مع دول  العالم من ناحية أخرى، إضافة إلى توفر الإمكانيات المالية اللازمة لذلك. والحقيقة أن بعض هذه المشروعات لم تكن غائبة عن الحكومة، بل كانت دراسات الجدوى الخاصة ببعضها متاحة منذ سنوات، وإن كان التلكؤ في إقامتها عائد على ما يبدو إلى عدم الرغبة في منافسة مشروعات خليجية قائمة.

ومن جهة أخرى فإن هدف تنويع مصادر الدخل الذي أكد عليه حضرة صاحب السمو في خطابه، يستدعي النظر في إقامة مشروعات جديدة تتمتع فيها قطر بمزايا نسبية، وأول تلك المزايا توفر الطاقة الرخيصة بكميات ضخمة، كوقود وكلقيم، مع التركيز على الصناعات ذات التقنيات المتطورة، وبأقل عدد ممكن من العمالة. وقد كان الإعلان عن زيادة الطاقة الإنتاجية للغاز المسال إلى نحو 100 مليون طن سنوياً خلال السنوات القادمة بداية جيدة لزيادة الدخل، وإن كان ذلك لا يعمل على تحقيق هدف التنويع الإقتصادي. لقد نمت دبي وتطورت كونها مركز إقليمي يوفر الخدمات اللوجيستية لكل دول المنطقة، ويبدو من الضروري التوسع في إقامة مركز إقليمي في قطر يخدم قطر ودول أخرى صديقة مثل الكويت وعمان، ودول أخرى.       

تكسُر الحملات الإعلامية ضد الريال القطري

في إطار الحملات الإعلامية التي تشنها بعض وسائل الإعلام الخليجية على قطر، لتضييق الحصار عليها في الداخل والخارج، عمدت تلك الوسائل إلى استغلال غياب البنوك القطرية عن الساحة في إجازة عيد الفطر،كي تعمل على إشاعة قدر من البلبة فيما يتعلق بأمرين مهمين؛ الأول يتصل بسعر صرف الريال مقابل الدولار، والثاني حول مدى قبول شركات الصرافة لإستبدال الريال بالعملات الأخرى خارج قطر. وفيما يتعلق بسعر الصرف الذي هو ثابت في السوق والتعاملات الفورية عند مستوى 3.65 ريال للدولار، نجد أن اقتصار التعاملات في فترة العيد على السوق الآجلة أو ما يُعرف يُـ فورورد ماركت خارج قطر، قد جعل بعض البنوك الأجنبية ترفع سعر البيع للدولار إلى مستوى 3.79 ريال؛ أي ما يزيد عن 3% عن سعره الرسمي، في ثاني أيام عيد الفطر. إلا أن ذلك الأمرلم يستمر إلا لفترة محدودة، وعاد السعر قريباً من مستوياته المعتادة في اليومين التاليين. وإزاء هذه التطورات سارع مصرف قطر المركزي إلى التأكيد على حقيقة ثبات سعر صرف الريال مقابل الدولار، ونوه إلى أن ما لديه من إحتياطيات نقدية ضخمة كفيل بالحفاظ على السعر المثبت منذ فترة طويلة، وأن ما تتناقله وسائل التواصل عن انخفاض السعر ما هو إلا ظرف استثنائي لتعاملات غير فورية في بنوك خارج قطر، وأن البنوك وشركات الصرافة في قطر وخارجها ستتعامل بالسعر الثابت المعروف للجميع.
وما أن اتضحت الصورة للجمهور، وأطمئن الجميع على سلامة ودائعهم بالريال القطري، حتى تحركت وسائل الإعلام من جديد لإثارة البلبة في جبهة أخرى، وهي مدى قبول الريال لدى شركات الصرافة في الخارج، وفي لندن على وجه التحديد. وقد استغلت إحدى دول الحصار ملكيتها لبعض شركات الصرافة الأجنبية كي تضغط عليها من أجل وقف التعامل بالريال، وسارعت قناة العربية إلى بث الخبر في نشراتها. وفي وقت لاحق تبين لمصرف قطر المركزي عدم دقة هذه الأخبار وأن كثيراً من البنوك وشركات الصرافة مستعدة لقبول الريال ومنها على سبيل المثال لا الحصر بنك أوف سكوتلاند وبنك باركليز، كما أن الشركات التي شاع عنها خبر عدم التعامل بالريال قد صدر عنها نفي رسمي لذلك ومنها شركة ترافلكس. ومع التسليم بأن حالات استبدال الريال القطري في الخارج تظل محدودة، باعتبار أن من يسافر للخارج يحمل معه عملات أجنبية من قطر،،، فإن إمكانية السحب عبر نوافذ الصراف الآلي في أوروبا والولايات المتحدة وغيرها، تمكن أصحاب الودائع لدى البنوك القطرية من السحب المباشر من حساباتهم بعملات تلك الدول دون حاجة لاستبدال العملات الورقية. والخلاصة أن حصار السعودية والإمارات والبحرين ومصر لقطر قد انتقل في العيد إلى جبهة جديدة هي جبهة الريال القطري سواء من حيث سعر صرفه أو قابليته للتحويل في الخارج. ومن الواضح أن هذه المعركة الأخيرة بدت خاسرة كغيرها من معارك الحصار، ولم تؤثر على سلامة الجبهة الداخلية، خاصة وأن الوضع المالي في قطر يستند إلى معطيات راسخة وقوية. ورغم أن مصرف قطر المركزي قد قام بكل ما يلزم في أسبوع العيد للرد على الحملات الإعلامية المغرضة، إلا أن الأمر بات يستدعي استمرار الحذر في الأيام القادمة، وأن يتم الإنتقال من مرحلة التصرف على أساس ردة الفعل فقط، إلى مرحلة التحرك لسد الثغرات التي يمكن أن ينفذ منها المحاصرون، في معاركهم الإعلامية القادمة ضد قطر.
إن ما يكيد دول الحصار أنها وجدت أن الإقتصاد القطري صخرة صلبة تتكسر عليها كل محاولاتهم اليائسة للنيل منه… وقد ارتدت فعاليات حصارهم إلى نحورهم، فتضررت شركاتهم واقتصاداتهم بأكثر من الضرر الذي أصاب اقتصاد قطر. وقد وجد المحاصرون أن دولة قطر كانت ولا تزال متيقظة ومتحسبة لغدرهم، وأنها قد أعدت العدة لمواجهة مثل هذه التصرفات فأفشلهم الله وأحبط أعمالهم.

وماذا عن خسائر السعودية والإمارات من الحصار؟؟

عرضت في المقال السابق لأسباب نجاح قطر في الصمود اقتصاديا وماليا في وجه الحصار الخليجي المفاجئ لها من جانب السعودية والإمارات. ومع التسليم بأن أي حصار من هذا النوع سيكون له أضرار وخسائر تلحق بجميع الأطراف، فإن السؤال الذي نناقشه اليوم هو عن خسائر الدول التي بادرت بفرض الحصار على  قطر، والتي ربما ظنت أنها ستكون بمأمن من عواقبه، إذا ما عجلت قطر بالرضوخ لشروطهما. ونبدأ بالحديث عن الخسائر التي ستلحق  بالإمارات وإمارة دبي على وجه الخصوص، التي سوقت لنفسها إقليميا وعالميا على أنها سويسرا الشرق الأوسط من حيث الأمان والإستقرار، وفتحت أبوابها للقاصي والداني للسياحة والإستثمار المالي والعقاري.. ولا شك أنها قد نجحت في ذلك إلى حد كبير.. وهي اليوم معرضة لخسائر تدريجية تلحق بهذه المكتسبات نتيجة لتحول الإمارات إلى بؤرة في قلب الصراعات مع جيرانها.. فناهيك عن خسارتها للسائحين والمستثمرين من قطر، وطنيين ومقيمين، فإنها ستفقد عشرات أو مئات الآلاف سنوياً من المتعاطفين مع قطر في  دول الخليج الأخرى بما فيها السعودية، ومن دول العالم.  وأشار تقرير لمؤسسة بلومبرج  هذا الأسبوع إلى أن شركة دكسب انترتينمنت التي تتخذ من دبي مقراً لها ستكون في مقدمة المتأثرين باعتبار أن هيئة الإستثمار القطرية هي ثاني أكبر مساهم فيها. وأضاف تقرير بلومبرج إلى أن شركة دريك  أند سكل العالمية التي تتخذ من دبي مقراً لها  لديها مشاريع في قطر بقيمة 136 مليون دولار. وستفقد بنوك دبي وأبوظبي مليارات الدراهم من جراء قيام أصحاب الودائع بسحبها، وهو الأمر الذي لن تكون الإمارات قادرة على منعه كما فعلت عند منع وتجريم المغردين والمتعاطفين مع قطر. ويضاف إلى ما تقدم خسائر الفنادق التي قيل أنها خسرت بالفعل نسبة من حجوزاتها،، وكذلك الحجوزات على طيران الإمارات والإتحاد، والمنتجات الإماراتية العديدة التي كانت تغزو السوق القطري، لكنها ستتلاشى منه تدريجياً  بامتداد أجل الأزمة.

وإذا ما انتقلنا إلى السعودية، سنجد أن صادراتها لقطر من منتجات الألبان والمنتجات الزراعية بأنواعها ستكون في مقدمة الخاسرين من الحصار  على قطر بإعتبار أن جزءاً كبيراً من تلك المنتجات يأتي للسوق القطري. وفي موسم  شد الرحال إلى مكة لأداء العمرة ومن  ثم الحج،،، يأتي الحصار والمنع ليكون سيفاً يضر بصاحبه  قبل أن يضر  بأهل قطر…. فلن يضير القطريين والمقيمين حرمانهم من العمرة هذه السنة، حيث ألغى رسولنا الكريم في عام الحديبية عُمرة كان قد بدأ بها مع أصحابه.  لكن فنادق مكة وطيرانها وأسواقها وشركات النقل فيها سوف تتضرر كثيراً من هذا التوقف، ومن لا يصدق يذهب ليسأل عن أسعار الفنادق  في مكة الآن.  وإذا ما طال الحصار فإن الشركات السعودية والإماراتية سوف تتأثر نتائج أعمالها بأزمة الحصار، ومن ثم قد تتقلص أرباح البعض منها، وقد تزداد خسائر أخرى، وينعكس ذلك سلباً على أداء  الأسهم في بورصات الدولتين، ومن ثم تتراجع أسعارها ومؤشراتها.

وفي حين تبدو قطرأكثر صلابة وعزيمة  وقدرة على الصمود في وجه الحصار، فإن هشاشة مواقف الدول المحاصرة وعدم قدرتها على اقناع العالم فضلاً عن شعوبها بما تدعيه من إتهامات، مع تراكم خسائر اقتصاداتها من الحصار، كل ذلك سيعجل بفشل هذه الحملة الظالمة، ورب ضارة نافعة… ويحضرني في هذا المجال قصة مشابهة  حدثت قبل 60 عاما عندما كانت قطر تعتمد على ميناء البحرين في استيراد السلع والبضائع، مقابل حصول البحرين على رسوم جمركية على تلك الواردات.. وقد قررت البحرين فجأة وقف هذه الواردات القطرية عبر مينائها، فما كان من قطر إلا أن استعاضت عن ذلك باستخدام ميناء مسيعيد المخصص للنفط، لحين تم بناء ميناء الدوحة… وخسرت البحرين رسوم الإستيراد المستقطعة عن السلع الواردة لقطر للأبد، وخسر قطاع الخدمات الملاحية لديها الأعمال التي كانت متصلة بتلك الواردات.

كيف نجحت قطر في الصمود في وجه الحصار؟؟

من الواضح حتى صباح السبت أن مجريات الأمور تصب في مصلحة قطر في أزمتها مع ثلاث من جاراتها الخليجية، حيث أثمر تمسكها بثوابتها المعلنة وتعاطف الشارع الخليجي معها، والمساندة القوية من بعض الدول الإسلامية، وسلامة وتماسك جبهتها الداخلية إلى تحول ملحوظ في مسار الأزمة. وأتحدث في مقال اليوم عن تماسك الجبهة الداخلية، وبوجه خاص من الناحية الإقتصادية، والمالية، وهو ما لم يكن في حسابات الطرف الأخر عندما رتب لهذه الهجمة الشرسة على دولة قطر. ومن الواضح أن المعطيات القطرية قد تطورت بشكل قوي ومتسارع في السنوات العشر الماضية، ناهيك عن تعاظم الإنجازات إذا ما قارنا حال قطر اليوم بما كانت عليه قبل 20 سنة. ومن الواضح أن حسابات الطرف الآخر قد بُنيت على حسابات مغلوطة عن إمكانيات دولة قطر التي تراكمت لديها سنة بعد أخرى:
أولاً: عول الطرف الخليجي على حدوث إنهيار في بورصة قطر، من جراء تدهور كبير في أسعار الأسهم. وتشير محصلة التداولات في الأسبوع المنصرم إلى أن المحافظ غير القطرية، وغير القطريين قد باعوا صافي خلال الأسبوع بما مجموعه 810 مليون ريال، وهو ما يزيد عن أربعة أمثال المستويات المعتادة. الجدير بالذكر أن المحافظ غير القطرية كانت قد درجت على الشراء الصافي في الشهور الماضية، بما يبدو وكأنه ترتيب مسبق لإحداث هزة مالية تساهم في إرباك المشهد القطري. وقد أفشلت المحافظ القطرية والقطريون هذا الأمر بقيامهم بالشراء،لثقتهم بأنها مجرد أزمة عابرة.
ثانياً: إندفع العاملون الآجانب لشراء كميات كبيرة من الدولارات والعملات الأخرى، كرد فعل طبيعي لما يحدث في الأزمات، وخاصة مع إقتراب موسم السفر، وراحت ماكينات الإعلام المضادة تصور ذلك على أنه مقدمة لإنهيار سعر صرف الريال، حتى ينتقل الهروب من الريال من العملات الورقية إلى سحب الودائع وتحويلها إلى عملات أخرى. واكتشف الناس منذ اليوم الأول أن سعر صرف الريال ثابت،، وفاتهم أن مصرف قطر المركزي يحتفظ باحتياطيات نقدية كبيرة تضمن ثبات سعر الصرف. وإذا كان القانون يتطلب تغطية النقد المصدر بنسبة 100% بالدولار والعملات االرئيسية الأخرى، فإن الإحتياطي الفعلي يرتفع بهذه النسبة إلى أكثر 700 بالمائة. وفي حين أن الدول التي تستورد أكثر مما تصدر يكون لديها عجز كبير في موازينها التجارية وحساباتها الجارية، وينعكس ذلك على أسعار صرف عملاتها، فإن الميزان التجاري القطري هو في حالة فائض مستمر يصل إلى 9 مليار ريال شهريا في الشهور الأخيرة رغم انخفاض أسعار النفط.
ثالثاً: أنه رغم الزيادة السكانية الكبيرة التي ضاعفت عدد السكان في قطر إلى 2.7 مليون نسمة، إلا أن قيام الدولة بالتحوط لذلك منذ سنوات، وتوسعها في بناء المخزونات الغذائية الضخمة، قد فوت الفرصة على المراهنين على تصدع الجبهة الداخلية من جراء إقفال الحدود البرية وإغلاق المسارات الجوية عبرها إلى قطر. وقد عزز من تماسك قطر في هذا المجال تنامي الإنتاج المحلي في السنوات الماضية، فضلاً عن تمتع قطر منذ عامين بميناء بحري ضخم وأسطول جوي هو الأكبر في المنطقة، بما يكفل استمرار تدفق البضائع. وأدى وقوف الأصدقاء مع قطر وفي مقدمتهم تركيا -التي سارعت بإرسال شحنات كبيرة من المواد الغذائية، مع استعداد إيران لوضع ثلاث من موانئها في خدمة قطر- إلى انقلاب السحر على الساحر، فخسر المحاصرون من فقدان بضائعهم للسوق القطري الشيئ الكثير.
رابعاً: استمر تدفق الصادرات القطرية من النفط والغاز ومنتجات أخرى إلى دول آسيا وأوروبا وبقية العالم دون إنقطاع، باعتبار أنها تعبر الخليج إلى المحيط الهندي دون أن تتأثر بالحصار. ورغم أن الحصار الجوي يضر بخدمات الخطوط القطرية من حيث زيادة ساعات الطيران وزيادة تكلفة التشغيل، إلا أن ذلك الأمر يضر بالطرف الآخر أيضاً. فمن ناحية، يتأثر تدفق المعتمرون إلى مكة ليس من قطر فحسب بل ومن كل العالم نتيجة ارتفاع تكلفة السفر، وتتقلص الرحلات السياحية إلى دبي، وتتأثر استثماراتها العقارية.
خامساً: أن لدى دولة قطر أوراق ضغط يمكن استخدامها إذا ما طال الحصار، ومنها وقف صادرات الغاز إلى الإمارات، وتفعيل الإعتماد على ميناء حمد كبديل لإعتماد الشركات على منطقة جبل علي، وميناء دبي. كما أن تعرض العديد من الشركات الأجنبية للضرر يجعل دولها تعارض الحصار كما صرحت بذلك ألمانيا.
سادساً: ستوفر قطر مليارات الريالات نتيجة توقف مشاركتها في حرب اليمن، بينما سيستمر نزف الطرف الآخر من تلك الحرب، ومن توسعها في الإنفاق على دول تشتري مساندتها بالمال.

تقرير التنافسية الدولية لقطر..”شهادة نجاح جديدة وسط غيوم متلبدة”

أعترف أن غيوما كثيرا تتلبد هذه الأيام في سماء قطر بتأثير انخفاض أسعار النفط، وما تبع ذلك من تداعيات على مختلف الأصعدة، ثم بفعل المؤامرات الخبيثة التي حيكت ولا تزال تحاك ضد مواقفها النبيلة وسياساتها الحكيمة التي تنطلق من مشاعر أخوية صادقة لنصرة قضايا أمتها العربية والإسلامية.  ورغم هذه التطورات المقلقة بعض الشيء، إلا أن الصورة الكلية لقطر وللإقتصاد القطري لا تزال بخير وتبعث على الأمل في غدٍ أفضل.. كيف لا والإحصاءات والأرقام الصادرة مؤخراً عن محافل دولية لها وزنها ترسم بين الحين والآخر صورة ناصعة البياض لوضع قطر، وتقدم شهادات على حجم التحولات الإيجابية التي يحققها الاقتصاد القطري بين سنة وأخرى، وكان آخرها ما صدر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية من تقييم في إطار ما يُعرف بكتاب التنافسية العالمي. فقد حققت دولة قطر مرتبة جيدة بين دول العالم المتقدم وجاء ترتيبها في المركز ألـ 17 من بين 63 دولة. ولم يأت هذا الترتيب المتقدم من فراغ، وإنما جاء  استناداً إلى مجموعة من البيانات والمؤشرات الإحصائية، وعلى آراء مدراء الشركات ورجال الأعمال الذين شملهم المسح الميداني، والذين عرضوا وجهات نظرهم حول بيئة الاعمال وتنافسية الاقتصاد القطري.

وقد تأثر الترتيب إيجاباً بعدد من العوامل، منها: الأداء الاقتصادي القوي ممثلاً في تدني معدل البطالة، وارتفاع كل من نسبة التكوين الرأسمالي الثابت من الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة الادخار المحلي من الناتج المحلي الإجمالي، ونسبة الميزان التجاري من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى ارتفاع الإنتاجية الكلية. وقد شهد المعهد الدولي للتنمية الإدارية لدولة قطر من خلال تقريره لهذا العام، بأن الأداء الاقتصادي القطري يأتي في المرتبة (8) بين أداء 63 دولة، وهذه شهادة تُحسب لدولة قطر، ولأميرها، وحكومتها اللذين يبذُلان مع المسؤولين كل ما في وسعهم من جهد لتحقيق ذلك. ولم يقتصر الأداء الجيد للإقتصاد القطري على الترتيب الكلي لقطر في المؤشر، وإنما تعدى ذلك إلى تميز في بعض المحاور الفرعية؛ حيث جاءت قطر في المركز 11  على محور الكفاءة الحكومية،  والمرتبة 12 في محور كفاءة قطاع الأعمال.

الجدير بالذكر أن ترتيب دولة قطر في مجال التنافسية العالمية في عام 2017 قد تراجع أربعة مراكز من  المركز13 إلى المركز 17.
وجاء هذا التراجع  نتيجة لبعض العوامل التي ترجع في أغلبها إلى حداثة دولة قطر بين الدول الأخرى، ومن هذه العوامل: تركز صادراتها في النفط والغاز وبعض السلع الأخرى، مع تركز وجهة تلك الصادرات إلى عدد محدود من الدول المستوردة، إضافة إلى تدني نسبة الصادرات ذات التقنية العالية من مجمل الصادرات، ومحدودية الاستثمارات المباشرة المتدفقة إلى الداخل،  وتدني نسبة الطاقة المتجددة من مجمل احتياجات الطاقة، وعدد الإجراءات اللازمة للبدء بالأعمال. وهذه العوامل السلبية يمكن في تقديري التخفيف من بعضها، وخاصة محور الإستثمارات المباشرة المتدفقة للداخل، ومحور عدد الإجراءات اللازمة لبدء الأعمال. وقد أشار سعادة الدكتور صالح النابت وزير التخطيط التنموي-الذي تتعاون وزارته مع المعهد في إعداد القسم الخاص بدولة قطر في تقرير المعهد- إلى ذلك عندما عبر عن أمله في أن تُسهم هذه النتائج في تحديد المجالات التي نحتاج فيها إلى تعزيز المكاسب، والقيام بالمزيد من  التحسينات”. وأضاف قائلاً “إن استراتيجية التنمية الوطنية لدولة قطر تحدد أهدافاً واضحة في مجالات تنظيم الأعمال التجارية، والبنية التحتية الاقتصادية، وتنمية القطاع الخاص لتنويع اقتصادها، ولتحقيق ذلك علينا أن نعمل باستمرار على رفع الكفاءة والإنتاجية، وتحسين قدرتنا التنافسية الدولية. وأضاف سعادته بأننا ندرس بعناية نتائج التقرير الدولي للتنافسية جنباً إلى جنب مع غيره من المؤشرات الأخرى، التي سوف تساعدنا على حشد الجهود لتعزيز اقتصادنا في المستقبل”.

وإذاً،،،، فإلى الأمام يا قطر حماكِ الله ورعاكِ من كيد الكائدين وحقد الحاقدين.

عودة للحديث عن مشروعات القوانين الضريبية

أشرت في مقال الأسبوع الماضي إلى صدور قرار عن مجلس الوزراء الموقر، بشأن مشروع قانون لتعديل الضريبة على الدخل، ومشروع قانون الضريبة على القيمة المضافة. وتنسجم هذه الإجراءات الضريبية الأخيرة مع التراجع في أسعار النفط، ومن ثم انخفاض الإيرادات العامة، باعتبار أنها ستوفر مداخيل إضافية للحكومة. وقد جاءتني استفسارات من بعض القراء بشأن هذه الضرائب التي ما زالت في مرحلة المشاريع، وتحتاج إلى عرضها على مجلس الشورى، وأود بهذه المناسبة الإشارة إلى أن الأمر قد التبس على بعض القراء فظنوا أن المقصود بضريبة الدخل هو فرض ضريبة مستحدثة على دخل الأفراد، بينما من يتأمل القرار الصادر يجد أنه يتعلق بتعديل ضريبة قائمة، وليس فرض ضريبة جديدة، ومن ثم فإن المعنى المقصود هو الضريبة على أرباح الشركات والمستثمرين الأجانب.

وقد جاء في نص القرار ما يلي: “يأتي إعداد مشروع قانون الضريبة على الدخل ليحل محل القانون السابق رقم 21 لسنة 2009، والقانون رقم 17 لسنة 2014 بإعفاء حصة المستثمرين غير القطريين في أرباح بعض الشركات وصناديق الاستثمار من الضريبة على الدخل……” والهدف من هذا التعديل كما ورد في مشروع القرار هو تطوير التشريعات الضريبية، بما يكفل تدعيم إيرادات قطاع الضرائب من ناحية، وتبسيط الإجراءات، وتيسير عمليات الفحص والربط والتحصيل، بما يسهم في تعزيز الامتثال الضريبي من ناحية أخرى. وقد استرعى انتباهي أن أحد الأخوة الكتاب قد نشر مقالاً بعد صدور القرار يعترض فيه على هذا المشروع باعتباره لا يتناسب مع الأوضاع في قطر، لا للقطريين ولا لغير القطريين، وأنه كان من الأولى الاهتمام بتحصيل الزكاة من المسلمين، والجزية من غير المسلمين. ومع تقديري الكبير للأخ الكاتب أرى أن موضوع الزكاة قد نظم له القانون مؤسسات خيرية تساعد على جمعها وتوزيعها على المحتاجين في الداخل والخارج، وهذا في تقديري أمر كاف، باعتبار أن موضوع الزكاة يُفضل فيه أن يتم التوزيع بمعرفة صاحب المال الذي قد تكون له أولويات في التوزيع من باب “أولى لك فأولى”. ويكون دور الجمعيات مساعد لمن لديه زكوات كثيرة، أو ليس لديه قدرة على التوزيع الشرعي والسليم، ويريد أن يتحرى الأكثر حاجة سواء داخل البلاد أو خارجها

ومن جهة أخرى، وافق مجلس الوزراء في الاجتماع نفسه المشار إليه على مشروع قانون بشأن الضريبة على القيمة المضافة، بعد أن قامت وزارة المالية بإعداد مشروع القانون وفقا للاتفاقية الموحدة لضريبة القيمة المضافة لدول مجلس التعاون. وهذه الاتفاقية تلزم كل دولة من دول المجلس باتخاذ الإجراءات الداخلية لإصدار القانون المحلي، والسياسات والإجراءات اللازمة لتطبيق الضريبة، بهدف وضع أحكام الاتفاقية موضع التنفيذ.

الجدير بالذكر أن الاتفاقية قد نصت على إطار موحد لتطبيق ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5٪، على أن تُطبق في الأول من يناير من العام 2018 أو 2019 كحد أقصى. ويرى بعض الخبراء أن من المتوقع أن تُمنح للشركات فترة انتقالية قد تتراوح بين 12 إلى 18 شهراً للاستعداد لتطبيق هذه الضريبة. ويتم فرض ضريبة القيمة المضافة على استيراد وتوريد السلع والخدمات في كل مرحلة من مراحل سلسلة التصنيع والتوزيع. وقد يتم استثناء بعض القطاعات بسبب خصوصية القطاع أو صعوبة فرض ضريبة القيمة المضافة عليها. المعروف أنه بقتضى ضريبة القيمة المضافة، فإن أثرها أو عبئها ينتقل لكل المستهلكين للسلع والخدمات سواء كانوا قطريين أو غير قطريين، وتقوم الشركات باحتساب قيم الضريبة ودفعها للحكومة. ومن هنا فإن فرض ضريبة القيمة المضافة سيؤدي إلى زيادة أسعار السلع والخدمات عن المستويات التي عرفها الجمهور حتى الآن.

رفع معدلات الفائدة.. الأسباب والتأثيرات المحتملة

سارعت البنوك المركزية في دول مجلس التعاون التي تربط أسعار عملاتها بالدولار إلى الاقتداء بخطوة رفع سعر الفائدة التي قام بها مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، مع كون الرفع قد تم بالمقدار نفسه أي بواقع 0.25%، أو ما يطلق عليه 25 نقطة أساس على كل من سعر إيداع البنوك أو اقتراضها من البنك المركزي.

والهدف من اتخاذ هذه الخطوة هو الإبقاء على استقرار أسعار صرف العملات الخليجية وعدم تعرضها لضغوط عمليات البيع. فعندما يكون سعر الصرف ثابتا ومعدل الفائدة مختلفا، فإن المستثمر يأمن على نفسه عند الانتقال من العملة ذات الفائدة الأقل إلى العملة ذات الفائدة الأعلى دون أن يخسر بشكل جوهري من تحركات أسعار الصرف وتذبذباتها.

وكان المعدل قد ظل لسنوات طويلة دون نصف بالمائة، مما استوجب الإبقاء على معدلات الفائدة دون تغيير ضمن المحاولات المبذولة لتنشيط الاقتصاد. وقد كان من المنتظر أن يتم رفع المعدل على الدولار مرتين أُخريين هذا العام نظرًا لتجاوز التضخم المستوى المستهدف، ولكن تصريحات لاحقة صدرت يوم الجمعة استبعدت ذلك لدواعي واعتبارات، منها الرغبة في استقرار أسعار صرف الدولار مقابل العملات الرئيسية الأخرى. حيث كما أشرنا فإن ارتفاع هامش سعر الفائدة بين العملات يدعم أسعار صرف العملات ذات الفائدة الأعلى في مواجهة بقية العملات الأخرى. وسبب آخر لتأخير خطط الرفع الإضافي هو ضخامة الدين العام الأمريكي الذي بلغ مع بداية عهد ترامب نحو 19 تريليون دولار، أي 19 ألف مليار دولار. فزيادة معدل الفائدة تعني زيادة فوائد خدمة الدين العام على الخزينة الأمريكية. الجدير بالذكر أن الرئيس ترامب قد وعد بسداد هذه المديونية الضخمة في 8 سنوات بواقع 2.4 تريليون دولار سنويًا، وهو أمر يشكك المراقبون في إمكانية حدوثه.

زيادة أسعار الفائدة إذن تدعم بقاء سعر صرف الدولار قويًا أمام العملات الرئيسية الأخرى، وإن كان من غير المرجح أن يرتفع السعر كثيرًا عن مستوياته الراهنة باعتبار أن ذلك الأمر سيضر بتنافسية الصادرات الأمريكية، ويزيد من تدفق الواردات السلعية للولايات المتحدة، فيزداد عجز الميزان التجاري الأمريكي سوءًا. ومن جهة أخرى فإن زيادة معدلات الفائدة في المستقبل المنظور سواء على الدولار أو على غيره من العملات الرئيسية، إنما يضعف من فرص حدوث ارتفاع كبير في سعر الذهب كما حدث في أعقاب الأزمة المالية العالمية عندما ارتفع سعر الأونصة إلى 1920 دولارا، في وقت لامست فيه معدلات الفائدة الصفر. وفي حين أن أي ارتفاع في سعر الذهب يظل ممكنًا في حال حدوث أزمات وصراعات عسكرية كبيرة، فإنه بخلاف ذلك سيظل سعر الأونصة مستقرًا فوق الألف ومائة دولار.

وفي قطر ودول الخليج، يترتب على رفع أسعار الفائدة على العملات، ارتفاع تكلفة الاقتراض من مستوياته المنخفضة جدًا، في وقت تتراجع فيه معدلات النمو الاقتصادي، وينخفض فيه معدل التضخم في قطر بشكل مضطرد إلى مستوى 0.7% فقط في شهر فبراير مقارنة بـ1.2% في يناير و1.8% في ديسمبر و2% في نوفمبر و2.2% في أكتوبر، و2.6% في سبتمبر. أي أن قطر قد رفعت معدلات الفائدة في وقت يتراجع فيه معدل التضخم، ولا يرتفع كما هو الحال في الولايات المتحدة، باعتبار أن الأولوية في اتخاذ القرار هي لضبط سعر صرف الريال أمام عملة الربط وهي الدولار، لا لزيادة معدل النمو الاقتصادي.

ومن ثم فإن من المتوقع أن يكون لقرار رفع الفائدة على الريال تأثيرات بعضها إيجابي مثل تحسين السيولة لدى البنوك، حيث سيميل الجمهور إلى زيادة إيداعاته لديها من ناحية، وتزيد عوائد البنوك من هامش الفائدة على الودائع من ناحية أخرى.

والملاحظ أن مصرف قطر المركزي قد أقدم أيضًا على خفض نسبة الاحتياطي الإلزامي إلى 4.5% مقارنة بـ4.75% في السابق. الجدير بالذكر أن النسبة كانت قبل عشر سنوات في حدود 3% فقط. وبموجب النسبة الجديدة يكون على كل بنك الاحتفاظ بمعدل أقل من الودائع لديه لدى المركزي (أي 4.5 مليون ريال لكل 100 مليون ريال) من دون فائدة، وهو ما يعني حرص المركزي على زيادة السيولة لدى البنوك وزيادة هامش ربحها. وأتوقع أن تنخفض هذه النسبة حلال العام الحالي إلى 4% أو أقل.