بطاقة الإقامة الدائمة، خطوة عصرية مستحقة

في الوقت الذي تتشدد فيه بعض دول الجوار في معاملة المقيمين على أرضها وتُغالي في فرض الرسوم عليهم، إذا بحكومة دولة قطر تفاجئ العالم يوم 2 أغسطس بمناقشة مشروع قانون الإقامة الدائمة لغير القطريين. وتأتي هذه الخطوة في أطار ما وجه به حضرة صاحب السمو الأمير المفدى حفظه الله، من أن تكون قطر بعد الأزمة بخلاف ما كانت عليه قبلها. ويُعطي القانون لوزير الداخلية حق “منح بطاقة الإقامة الدائمة لغير القطري إذا توافرت فيه الشروط”. وفي حين لم يذكر الخبر تلك الشروط، فإنه قد أشار إلى فئات أخرى يجوز للوزير منحُها البطاقة وهي “أبناء القطرية المتزوجة بغير قطري”، “والذين أدوا خدمات جليلة”، “وذوي الكفاءات الخاصة التي تحتاج إليها الدولة”.وتمنح الإقامة الدائمة حامليها عدداً من الامتيازات تتمثل في معاملتهم معاملة القطريين في التعليم والرعاية الصحية”، والأولوية في التعيين بعد القطريين، و”الحق في التملك العقاري، وفي “ممارسة بعض الأنشطة التجارية من دون شريك قطري”. وقد أشارت وكالة الأنباء إلى أن التنفيذ بانتظار صدور القانون، والقرارات التنفيذية التي سيصدرها مجلس الوزراء بشأنه”، وبإنشاء لجنةٌ “منح بطاقة الإقامة الدائمة”.
وقد لاقى مشروع القانون استحسانا وترحيباً من جانب القطريين والمقيمين على السواء، لما سيكون له من تأثير هام في دفع عجلة التنمية الإقتصادية في قطر. فالقوانين والإجراءات والضوابط التي نظمت موضوع إقامة العمالة الوافدة في العقود الخمسة الماضية، لم تعد تواكب التطور المستمر الذي أصابته البلاد والذي باتت بموجبه تحصل على المراكز المتقدمة في التصنيفات الدولية، كالتصنيفات السنوية للمنتدى الاقتصادي العالمي. وتحتل قطر اليوم مراكز متقدمة على الصعيد العالمي فهي أكبر منتج للغاز المسال في العالم، ولديها مجمعات صناعية ومراكز تعليمية وأبحاث، ولديها أفضل شركة خطوط جوية في العالم، وموانئ بحرية، ومطارات، ومستشفيات ضخمة، فضلاً عن سعيها منذ تفجر الأزمة الخليجية لتطوير الإنتاج الزراعي والحيواني لديها بما يحقق الإكتفاء الذاتي. وهذا المستوى المتقدم جداً من التطور والنمو قد تحقق في ظل زيادة مضطردة في عدد السكان وصلت به اليوم إلى خمسة أمثال ما كان عليه في تعداد عام 1997، عندما بلغ 522 ألف نسمة. ومن ثم فليس بالإمكان بعد كل ذلك أن يظل تشغيل كل هذه المرافق معتمداً على عمالة غير دائمة وغير مستقرة.
إن نظام الإقامة المؤقتة، يحرم قطر من تراكم الخبرات لدى العاملين الأجانب، الذين يسعون إلى تأمين مستقبلهم بالبحث عن فرص أفضل للإقامة الدائمة في بلدانهم الأصلية، أو في دول أخرى. ولذلك نقول، إن نمو قطر وإزدهارها هو في العمل على تشجيع العمالة الوافدة المتميزة على البقاء في قطر، واستثمار مدخراتهم بها. وقد تطرقت إلى هذا الموضوع أكثر من مرة،، وكان أولها عام 1996 في كتاب بعنوان ” قطر على أبواب القرن الحادي والعشرين،، رؤية اقتصادية”،، وأشرت في فصله الأول إلى أهمية إقرار موضوع الإقامة الدائمة على النحو الذي ورد في مشروع القانون هذا الأسبوع.
وينتظر جمهور الوافدين الآن بشغف صدور القانون، للتعرف على الشروط التي تؤهلهم للحصول على الإقامة الدائمة؛ فبخلاف الفئات التي ذكرها المشروع والمشار إليها أعلاه، فإن التكهنات تتوقع أن يكون ذلك مرتبطاً بإقامة الوافد في قطر لعدد من السنوات، أو بالولادة في قطر والدراسة فيها، أو لأبناء وبنات الحاصلين على الإقامة الدائمة. الجدير بالذكر أن قانون الجنسية الذي صدر في عام 2005 قد حدد شروطاً للحصول على الجنسية منها أن يكون المتقدم قد أقام بطرق مشروعة في قطر لمدة لا تقل عن خمس وعشرين عاماً متتالية، وأن يكون له وسيلة مشروعة للرزق، وأن يكون محمود السيرة وحسن السمعة، ولم يسبق إدانته بحكم نهائي بإحدى الجرائم المخلة بالشرف أو الأمانة، وأن يجيد التعامل باللغة العربية وعلى دراية كافية بها. ومن المتوقع أن تأتي شروط منح بطاقة الإقامة الدائمة منسجمة مع شروط منح الجنسية، على أن تكون أيسر منها في التطبيق. وفي حين يتخوف البعض من بُطء التنفيذ على غرار ما هو حاصل في موضوع التجنيس، فإنني أتوقع عكس ذلك لاعتبارات كثيرة؛ منها ما هو ديموغرافي، وسياسي، واقتصادي. ومن حيث الاعتبارات الاقتصادية نجد أن هذه الخطوة ضرورية لإستمرار نمو الاقتصاد القطري وعدم انكماشه بعد انتهاء المرحلة الحالية التي تشهد نموا مضطردا في البُنية التحتية.
والله نسأل أن تكون هذه الخطوة فاتحة خير وأمل لقطر ولأهلها والمقيمين فيها.