كيف استفادت البورصة من الأزمة الخليجية؟

يقولون “رُب ضارة نافعة”.. وهذا المثل الشائع ينطبق تماماً على حال البورصة القطرية التي تضررت لوقت قصير في الشهر الماضي بعد تفجر الأزمة الخليجية، بهبوط مؤشرها العام بنحو ألف نقطة، وتراجع رسملتها الكلية قرابة الخمسين مليار ريال في فترة وجيزة. ولأن البورصة في المعتاد هي مرآة الاقتصاد، والاقتصاد القطري كان ولا يزال في أحسن الأحوال، ويشهد على ذلك: معدلات النمو الاقتصادي الجيدة، وارتفاع متوسط دخل الفرد إلى الأعلى عالمياً، وانخفاض معدل التضخم، وتبوء قطر مراكز متقدمة في التصنفيات الدولية، وتحقيق قطر لفوائض مالية كبيرة، من هنا نقول إن انخفاض مؤشرات البورصة على النحو الذي حدث عند تفجر الأزمة، لم يكن له ما يبرره، وبالبحث في الأسباب تبين أن هذا الإنخفاض كان بفعل فاعل، وأن بعض الصناديق السيادية الخليجية-كما قال السيد المنصوري الرئيس التنفيذي للبورصة- قد خططت له منذ مدة بقصد إحداث هزة مالية في وقت حدوث الأزمة السياسية.
على أن هذا الأمر الضار قد وَلَّدَ من رحم الأزمة منافع كثيرة بعضها مباشر والبعض الآخر غير مباشر. فمن حيث المنافع المباشرة نجد أن انخفاض أسعار الأسهم قد صاحبه تراجع ملحوظ في المكررات الربحية لكثير من أسهم الشركات، وبات مكرر السعر إلى العائد في حدود 10 مرات فقط أو أقل، مع كون المكرر المتوسط لكل السوق أقل من 13مرة. وقد أدى ذلك إلى توقف ضغوط البيع، فاستقرت الأسعار والمؤشرات، ثم عادت إلى الإرتفاع من جديد، قُبيل بدء موسم الإفصاح عن نتائج النصف الأول من العام، وحققت في الأسبوع الماضي قفزة كبيرة. وقد عزز من ذلك؛ صلابة الموقف القطري في إدارة الأزمة، ونجاح القيادة الرشيدة في تجاوز مرحلة التوتر التي صاحبت تفجرها.
ومن جهة أخرى، كشفت الأزمة عن الأسباب الحقيقية لضعف البورصة القطرية في السنوات السابقة، وعدم مجاراتها لما يحدث في الاقتصاد من تطور ونمو على مدى 10 سنوات. ففي حين لم يكن هنالك محافظ أجنبية في سوق الدوحة للأوراق المالية، وكان المستثمر القطري والمحافظ القطرية هما الأساس حتى عام 2006، وكان المؤشر العام يرتفع بقوة إلى نحو 13 ألف نقطة، مع وجود نمو سنوي في عدد الشركات المدرجة حتى تجاوزت 45 شركة، إذا بالمؤشر العام يتقهقر بعد عام 2006، وأحجام التداول تنكمش، وعدد الشركات يتراجع ثم يتجمد. وكانت النتيجة النهائية لعشر سنوات من التسويق للخارج -سواء مع المؤشرات العالمية، أو ببيع جزء من البورصة لشريك أجنبي- كل هذه الجهود كانت نتيجتها سلبية. ومن ثم فإن ما بتنا نحتاج له اليوم أن نقف أمام المرآة ونواجه الحقيقة، لمعالجة الخلل الذي نتج عن إنحراف البورصة عن مسارها كوعاء للإستثمار الوطني، وليس عيباً أن نعود إلى ما كنا عليه قبل عام 2006 فتداولاتنا كانت أقوى والاسعار أفضل، والمخاطر أقل، وهذا هو صوت العقل الذي بات يتردد في الفترة الأخيرة ، فليس لدينا الترف السابق في الوقت ولا المال، والعمل يجب أن يكون جاداً في المرحلة المقبلة.
وعلى صلة بالموضوع نجد أن من بين الحلول التي أُعتمدت في السنوات السابقة لمعالجة ضعف التداولات، ما يُعرف بالدعم الحكومي لتداولات السوق.. ورغم أهمية وجود مثل هذا الدعم في كل الأسواق المالية، إلا أنه كان يُدار بطريقة غير احترافية، وقد تحدثت عن ذلك في مقالات سابقة عديدة، وأشرت على سبيل المثال إلى أن صفقات ربع الساعة الأخير، كانت تُفقد المتعاملين القدرة على تتبع إتجاهات الأسعار، ومن ثم لا يستطيعون اتخاذ القرارات الاستثمارية المناسبة سواء بالبيع أو الشراء. وما كان يزيد من صعوبة العمل في البورصة، إلإصرار على تمديد وقت التداول إلى ما بعد الواحدة ظهراً، رغم ضعف التداولات مما اضطر الكثيرين للخروج من السوق. الجدير بالذكر أن سنوات النجاح الباهر للسوق حتى عام 2006 كانت تتم بتداولات لمدة ساعتين فقط، فهل آن الأوان للعودة إلى ذلك النظام الناجح؟؟؟