أولويات مرحلة التحول السياسي والاقتصادي

بكلمات هادئة رصينة أطل حضرة صاحب السمو الأمير المفدى على شعبه وعلى العالم، ليعلن أننا رغم مرارة الحصار الذي فرضه الأشقاء علينا إلا أن روح التضامن والتآلف والتحدي للشعب القطري قد خيبت آمال الذين راهنوا على عكس ذلك..وأكد سموه على نجاعة الحكومة بكل وزاراتها ومؤسساتها في مواجهة الأزمة، ونجاحها في توفير كافة احتياجات السكان في زمن قصير. ومع ذلك فإن الأزمة قد نبهتنا إلى ضرورة فتح اقتصادنا للمبادرة والإستثمار كي ننتج كل ما نحتاجه من غذاء ودواء، وأن نعمل على تنويع مصادر دخلنا. وفي تقديري أن الخطة الإستراتيجية الثانية للحكومة 2017-2021 التي بدأت مع مطلع هذا العام يجب أن يُعاد النظر في أولوياتها على ضوء ما حدث. فإذا كانت المرحلة تركز أساساً على ضرورة الإنتهاء من مشروعات البُنية التحتية سواء العادية منها أو اللازمة لاستكمال منشآت كأس العالم 2022، فإن الأزمة قد كشفت لنا أهمية الإعتماد على النفس في توفير احتياجاتنا الأساسية، وأن نسارع إلى إقامة المزارع والمصانع والمراكز التي توفر لنا تلك الإحتياجات بلا انقطاع، مع إمكانية التصدير أيضاً.ونحمد الله على أن المراحل السابقة التي انتهت دولة قطرمنها قد مكنتها من زيادة طاقاتها الإنتاجية من الغاز إلى المستوى الذي وفر لها مداخيل كبيرة وفوائض مالية ضخمة تُعينها في المرحلة الحالية والقادمة على تحقيق ما أشار إليه حضرة صاحب السمو الأمير. 

لقد كانت التوجهات السابقة قبل الأزمة تقوم على مراعاة التوافق خليجيا في إطار الإتفاقية الإقصادية الموحدة بين دول المجلس، فلا نعمل على منافسة المنشآت والمصانع القائمة في الدول الأخرى، طالما أن حرية تدفق البضائع المنتجة في الدول الأخرى بدون عوائق وبدون رسوم جمركية، مكفولة ومضمونة في كل الأوقات. وكانت قطر تعمل على الإستفادة من كل المرافئ والتسهيلات المتاحة في دول خليجية أخرى مثل جبل على في دبي، دون أن تبحث أو تفكر في إقامة تسهيلات بديلة في قطر. وفي خطط التصنيع كانت قطر تراعي عدم إقامة منشآت منافسه جديدة لما هو قائم في دول خليجية أخرى، إلا إذا كان لديها ميزة تنافسية واضحة كتوفر الغاز بكميات ضخمة. وكانت تتطلع دائماً إلى التعاون بدل التنافس بالبحث في إقامة مشروعات مشتركة، فكان منها مصنع الألومنيوم الخليجي في البحرين، ومشروع الربط الكهربائي المشترك بين دول المجلس، ومشروع خط السكة الحديد المشترك.

وقد شرعت قطر منذ تفجر الأزمة في إقامة عدد من المنشآت الزراعية والحيوانية التي توفر الإحتياجيات المحلية من المنتجات المختلفة، وساعدها في ذلك عاملين مهمين الأول هو أسطولها الجوي الضخم من ناحية، وتوفر الخطوط الملاحية البحرية مع دول  العالم من ناحية أخرى، إضافة إلى توفر الإمكانيات المالية اللازمة لذلك. والحقيقة أن بعض هذه المشروعات لم تكن غائبة عن الحكومة، بل كانت دراسات الجدوى الخاصة ببعضها متاحة منذ سنوات، وإن كان التلكؤ في إقامتها عائد على ما يبدو إلى عدم الرغبة في منافسة مشروعات خليجية قائمة.

ومن جهة أخرى فإن هدف تنويع مصادر الدخل الذي أكد عليه حضرة صاحب السمو في خطابه، يستدعي النظر في إقامة مشروعات جديدة تتمتع فيها قطر بمزايا نسبية، وأول تلك المزايا توفر الطاقة الرخيصة بكميات ضخمة، كوقود وكلقيم، مع التركيز على الصناعات ذات التقنيات المتطورة، وبأقل عدد ممكن من العمالة. وقد كان الإعلان عن زيادة الطاقة الإنتاجية للغاز المسال إلى نحو 100 مليون طن سنوياً خلال السنوات القادمة بداية جيدة لزيادة الدخل، وإن كان ذلك لا يعمل على تحقيق هدف التنويع الإقتصادي. لقد نمت دبي وتطورت كونها مركز إقليمي يوفر الخدمات اللوجيستية لكل دول المنطقة، ويبدو من الضروري التوسع في إقامة مركز إقليمي في قطر يخدم قطر ودول أخرى صديقة مثل الكويت وعمان، ودول أخرى.